المصور وليد محمد شريف
في كل مجتمع يوجد أشخاص يمرّون على التفاصيل مرورًا عابرًا، وأشخاص يتوقفون عندها كأنهم يسمعون نداءً خفيًا لا يسمعه غيرهم. وفي البحرين، وتحديدًا في الرفاع الشرقي، نشأ شاب كان يرى العالم بطريقة مختلفة؛ لا يكتفي بالنظر، بل يحاول أن يفهم ما وراء النظرة. ذلك الشاب هو وليد محمد شريف، الذي وجد في التصوير مساحة تسمح له بأن يلتقط ما يعجز الكلام عن وصفه.
لم يكن دخوله إلى هذا العالم نتيجة صدفة أو رغبة في تجربة جديدة، بل كان استجابة لفضول داخلي ظلّ يكبر معه. منذ عام 2014، بدأ يقترب من الكاميرا كما يقترب شخص من باب يعرف أنه سيغيّر حياته. لم يكن يبحث عن صورة “جميلة”، بل عن لحظة صادقة، عن إحساس يمرّ بسرعة لكنه يترك أثرًا لا يزول. ومع الوقت، صار التصوير بالنسبة له طريقة للتفكير، وأسلوبًا للتواصل، ووسيلة لفهم الإنسان قبل أي شيء آخر.
كان انجذابه الأول نحو الوجوه. لم يكن يراها مجرد ملامح، بل خرائط صغيرة تحمل قصصًا طويلة. ولهذا وجد نفسه في عالم البورتريه، حيث لا يكفي أن تلتقط صورة، بل يجب أن تلتقط حالة. كان ينتظر اللحظة التي ينسى فيها الشخص وجود الكاميرا، اللحظة التي يترك فيها دفاعاته جانبًا، ويظهر كما هو. تلك اللحظة بالنسبة لوليد ليست مجرد فرصة، بل كنز بصري لا يتكرر.
ومع أن البورتريه منحه مساحة للتقرب من الناس، إلا أن داخله كان يحمل رغبة أخرى: رغبة في خلق عالم بصري لا يعتمد على الواقع وحده. وهنا ظهر شغفه بالفاين آرت. في هذا النوع من التصوير، لم يعد وليد مجرد ملتقط للحظة، بل أصبح مهندسًا للمشهد. يبني الفكرة قبل الصورة، ويبحث عن الضوء المناسب كما يبحث الكاتب عن الكلمة الدقيقة. كان يستمتع بعملية البناء نفسها، بتلك الرحلة التي تبدأ من فكرة صغيرة وتنتهي بصورة تحمل روحًا لا تشبه إلا صاحبها.
لكن الفن الهادئ لم يكن وحده ما يشكّل شخصيته. كان هناك جانب آخر يحتاج إلى الحركة، إلى التوتر، إلى اللحظة التي لا تمنحك فرصة ثانية. وهكذا دخل عالم التصوير الرياضي. في الملاعب، كان يتعلم كيف يقرأ الحركة قبل أن تحدث، وكيف يلتقط الذروة في جزء من الثانية. هذا النوع من التصوير صقل لديه سرعة البديهة، وعلّمه أن بعض اللحظات لا تنتظر أحدًا.
ومع كل هذا التنوع، كان وليد يبحث عن مرجع بصري يفتح له أفقًا جديدًا، فوجد ذلك في أعمال غريغوري كرويدسون. لم يكن إعجابه به بسبب الشهرة، بل بسبب الطريقة التي يحوّل بها المشهد العادي إلى عالم سينمائي كامل. كان يدهشه كيف يمكن لصورة واحدة أن تحمل طبقات من المعنى، وكيف يمكن للضوء وحده أن يخلق شعورًا لا يُنسى. هذا النوع من الإلهام جعله يدرك أن الصورة ليست مجرد ما نراه، بل ما نشعر به حين نراها.
ومع مرور السنوات، اكتشف وليد أن التصوير ليس مجرد شغف، بل علاقة طويلة مع الزمن. الصورة بالنسبة له ليست تجميدًا للحظة، بل محاولة لفهمها. وهي أيضًا لغة عالمية، لا تحتاج إلى ترجمة، ولا تخضع لاختلاف الثقافات. صورة يلتقطها في البحرين قد تصل إلى شخص في مكان بعيد وتترك فيه أثرًا دون أن يعرف من التقطها. هذا الإحساس بالوصول، بالقدرة على لمس الآخرين، كان من أهم ما يدفعه للاستمرار.
ومثل أي رحلة، لم تكن طريقه خالية من التحديات. واجه صعوبات يعرفها كل من يعمل في هذا المجال: من الاعتقاد الخاطئ بأن المعدات تصنع الفنان، إلى الإرهاق الذي يرافق المشاريع الطويلة، إلى التعامل مع عناصر لا يمكن التنبؤ بها، إلى تلك اللحظات التي يشعر فيها أن الهوية البصرية قد تضيع وسط تشابه الأعمال. لكنه كان يدرك أن هذه التحديات جزء من الرحلة، وأنها هي التي تصقل الفنان الحقيقي.
وفي المقابل، كانت هناك لحظات تمنحه يقينًا بأن ما يفعله يستحق كل هذا الجهد. لحظات ينجح فيها في بناء مشهد من الصفر، أو يرى فيها أن صورة التقطها أثرت في شخص ما، أو يجد نفسه محاطًا بمجتمع إبداعي مثل قروب تكنيكات، حيث يتبادل الفنانون الخبرات ويصنعون بيئة تدعم النمو. كان يشعر أن التصوير يمنحه فرصة لتوثيق التراث، للحفاظ على لحظات قد لا تتكرر، وللتعاون مع مؤسسات تمنحه مساحة أوسع للتجربة.
ومع كل خطوة يخطوها، كان طموحه يكبر. لم يعد يريد أن يكون مجرد مصور، بل يريد أن يصنع بصمة بصرية يعرفها الناس دون أن يقرأوا اسمه. يريد أن يتحول من شخص يلتقط الصور إلى شخص يلهم الآخرين، يشارك تجربته، ويترك أثرًا يمتد أبعد من حدود المكان. يريد أن يعزز ثقافة الصورة، وأن يجعل الناس يرون في التصوير قيمة تتجاوز الهواية، قيمة ترتبط بالذاكرة، بالإنسان، وبالفن.
وهكذا تستمر رحلته، رحلة لا تبحث عن الكمال بقدر ما تبحث عن الصدق. كل صورة يلتقطها هي محاولة لفهم العالم، وكل مشروع ينفذه هو خطوة نحو هوية تتشكل مع كل ضوء، وكل ظل، وكل لحظة يقرر أن يمنحها حياة أطول من زمنها الطبيعي.
المقال
ياسين المرهون
0
تعليق