المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 4 أسابيع

المصور محمد حسن المهناء


هناك فنانون لا يمكن اختصارهم في صورة واحدة، ولا في مرحلة واحدة من حياتهم، لأن رحلتهم أطول من أن تُحكى بجملة، وأعمق من أن تُختزل في إنجاز. من بين هؤلاء يأتي محمد حسن المهناء، المصور السعودي الذي خرج من مدينة الأحساء وهو يحمل حسًّا بصريًا لا يشبه إلا نفسه. لم يكن التصوير بالنسبة له بابًا طارئًا، بل امتدادًا طبيعيًا لروح فنية بدأت مع الخط العربي والرسم التشكيلي، قبل أن يجد نفسه منجذبًا إلى الكاميرا كأنها قدرٌ كان ينتظره منذ البداية.

في سنواته الأولى، كان يرى الكاميرا مجرد أداة تساعد الرسام على حفظ الفكرة قبل أن تتحول إلى لوحة. كان يلتقط الصور ليعود إليها لاحقًا حين يفكر في موضوع جديد للرسم. لكن شيئًا ما حدث في تلك المرحلة؛ شيئًا جعل الكاميرا تتحول من أداة مساعدة إلى مركز اهتمامه الأول. شيئًا جعل الصورة تتقدم على اللوحة، والضوء يتقدم على الريشة، واللحظة تتقدم على الفكرة. ومع مرور الوقت، لم يعد قادرًا على العودة إلى الوراء. التصوير لم يعد هواية، بل أصبح عالمًا كاملًا يبتلعه ويعيد تشكيله.

خمسة وثلاثون عامًا قضاها المهناء وهو يتنقل بين الشوارع، بين الوجوه، بين المهن القديمة، بين تفاصيل الحياة التي لا يلتفت إليها الكثيرون. لم يكن يبحث عن الجمال المصنوع، بل عن الجمال الحقيقي الذي يظهر في لحظة صدق، في حركة عفوية، في نظرة عابرة، في يدٍ تعمل، أو في ظلّ يمرّ على جدار قديم. ولهذا أصبح يُعرف كمصور لحياة الناس، مصور يقترب من الواقع كما هو، بلا رتوش، بلا تزييف، بلا محاولة لفرض رؤية مسبقة. كان يترك الحياة تقوده، ويترك الصورة تختار لحظتها.

ومع أن تجربته طويلة، إلا أن تأثير الأشخاص في مسيرته كان حاضرًا بقوة. كان يرى في الأستاذ علي مبارك أكثر من مجرد مصور؛ كان يرى فيه معلمًا، ومرجعًا بصريًا، وشخصًا يعرف كيف يلتقط الفكرة قبل أن تتحول إلى صورة. هذا النوع من الإلهام لا يصنع أسلوبًا فقط، بل يصنع علاقة طويلة مع الفن، علاقة تجعل الفنان أكثر وعيًا بما يقدمه، وأكثر صدقًا مع نفسه.

ومع مرور السنوات، لم يكتفِ المهناء بأن يكون مصورًا فقط. شعر أن عليه مسؤولية تجاه المشهد الفوتوغرافي، مسؤولية تجاه الجيل الجديد، تجاه من يبحثون عن طريقهم في هذا الفن. ولهذا قدّم خلال خمسة عشر عامًا عددًا كبيرًا من الدورات والورش والمحاضرات، ركّز فيها على صور الشارع والتراث والمهن، وعلى كيفية بناء المشاريع الفوتوغرافية، إلى جانب خبرته في التصوير التجاري مثل الأطعمة والمنتجات والطبيعة الصامتة. لم يكن يقدّم هذه الدورات كمدرب، بل كفنان يريد أن يشارك تجربته، وأن يفتح الطريق لمن يأتي بعده، تمامًا كما فُتح له الطريق يومًا ما.

ورغم هذا العطاء، كان يرى جانبًا مؤلمًا في المشهد الفوتوغرافي: تجاهل بعض الجهات لمن أسسوا لهذا الفن، ولمن تعبوا في بداياته، ولمن ذللوا الصعاب قبل أن يصبح التصوير مهنة سهلة الوصول. كان يشعر أن هذا التجاهل لا يمسّ الأشخاص فقط، بل يمسّ تاريخًا كاملًا، يمسّ ذاكرة الصورة في المنطقة، يمسّ الجهد الذي بُذل قبل أن يصبح التصوير جزءًا من الحياة اليومية.

لكن في المقابل، كان هناك جانب مشرق لا يمكن تجاهله. فالتواصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي قرّب المسافات بين المصورين، وفتح بابًا واسعًا لتبادل الخبرات، وللتعرف على تجارب جديدة، ولخلق مجتمع بصري يتطور مع الوقت. هذا القرب جعل المهناء يشعر أن الصورة لم تعد حكرًا على مكان أو زمان، بل أصبحت لغة يتشاركها الجميع، لغة تتجاوز الحدود، وتصل إلى من لا يعرفونك ولا يعرفون قصتك، لكنها تلامسهم بطريقة ما.

ومع كل هذه التجارب، ظلّ يحمل طموحًا لم يتغير: أن يقيم معارض لمشاريعه الفوتوغرافية، سواء في بلده أو في العالم العربي. يريد أن يرى أعماله معلّقة على الجدران، تواجه الناس مباشرة، وتروي لهم قصصًا من الشارع، من التراث، من المهن، ومن التجارب التي عاشها. يريد أن يمنح الصورة حياة أطول من اللحظة التي التقطت فيها، وأن يجعلها جزءًا من ذاكرة المكان.

محمد حسن المهناء ليس مجرد مصور قضى عقودًا خلف الكاميرا، بل هو فنان عاش الصورة قبل أن يلتقطها، وشاركها قبل أن يعرضها، وآمن بها قبل أن تصبح مهنة. رحلته ليست رحلة كاميرا، بل رحلة إنسان وجد في الضوء طريقًا لفهم العالم، وفي التجربة وسيلة لاكتشاف نفسه، وفي الصورة لغة لا تزال تتسع لكل ما يريد قوله.

0 تعليق