المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 4 أسابيع

المصورة نجاة علي الفاضل


هناك لحظات لا تُلتقط لأنها جميلة فقط، بل لأنها تُشبه شيئًا ما في داخلنا. لحظات تمرّ أمام الناس وكأنها لحظات عابرة، لكنها تتوقف عند عينٍ تعرف كيف تُصغي للضوء. في تلك اللحظات يولد الفن الفوتوغرافي الحقيقي؛ الفن الذي لا يعتمد على الكاميرا بقدر اعتماده على حسّ الفنان، على قدرته في تحويل المشهد البسيط إلى حكاية، وعلى رؤيته التي تمنح الأشياء معنى جديدًا. التصوير ليس مجرد مهنة أو مهارة، بل طريقة خاصة في النظر للعالم، طريقة تجعل من التفاصيل الصغيرة لغة، ومن الزمن ذاكرة، ومن الضوء صوتًا لا يسمعه إلا من يعرف كيف يقترب منه.

ومن بين الذين امتلكوا هذه القدرة، تبرز نجاة علي الفاضل، المصوّرة السعودية القادمة من المنطقة الشرقية، والتي بدأت رحلتها مع الكاميرا عام 2006. لم تكن بدايتها بحثًا عن شهرة أو احتراف، بل بحثًا عن إحساس. كانت ترى الصورة قبل أن تلتقطها، وتشعر بالحكاية قبل أن تُروى. ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الكاميرا مجرد أداة، بل امتدادًا لعينها، وصوتًا لروحها، ومساحة تعبّر فيها عن ذاتها كما لا تستطيع الكلمات.

في بداياتها، كانت قريبة من الناس، من أفراحهم، من لحظاتهم التي لا تتكرر. تخصصت في تصوير الأعراس والتصوير داخل الاستوديو، ووجدت في تلك المساحة قدرة على قراءة الوجوه، على التقاط الفرح قبل أن يُعلن، وعلى حفظ اللحظات التي تُبنى عليها ذكريات العمر. سنوات طويلة قضتها في هذا المجال، لكنها لم تتوقف عنده. شيئًا فشيئًا، بدأت تشعر أن العالم خارج الاستوديو يحمل قصصًا أكبر، وأن الشارع والسفر والثقافات المختلفة تملك أرواحًا تستحق أن تُوثّق.

وهكذا، اتجهت إلى تصوير حياة الناس، إلى الشارع، إلى السفر، إلى الأماكن التي تحمل ذاكرة المكان. لم تكن تبحث عن مشهد مثالي، بل عن لحظة صادقة. كانت ترى أن الصورة التي تُلتقط بإحساس تبقى أطول من الصورة التي تُلتقط بتقنية. كانت تقترب من الناس بفضول الفنان، لا بفضول المصوّر؛ تبحث عن التجاعيد التي تحكي عمرًا، عن يدٍ تعمل بإخلاص، عن ظلّ يمرّ على جدار قديم ويترك خلفه قصة لا يسمعها إلا من يملك عينًا صادقة.

ولم يكن لنجاة ملهم خارجي. كانت تؤمن أن الإلهام الحقيقي يأتي من الداخل، من تلك الشرارة التي تضيء فجأة حين ترى شيئًا يستحق أن يُحفظ. كانت تقول دائمًا:
“ألتقط الصورة بعيني قبل عدستي.”
وهذا ما جعل أعمالها مختلفة؛ لأنها لم تكن تبحث عن مثاليات، بل عن روح. كانت تستلهم من لحظتها، من إحساسها، من نظرتها الخاصة للحياة. وهذا النوع من الإلهام لا يُدرّس، ولا يُقلّد، بل يُولد مع الفنان.

اهتمامها بالتصوير لم يكن شغفًا عابرًا، بل إحساسًا عميقًا بأن هناك لحظات تستحق أن تُروى بصمت الضوء. كانت ترى أن الصورة شهادة على الزمن، تحفظ ملامح الإنسان ودفء المكان وصدق المشاعر. منذ طفولتها، كانت توثّق لحظات العائلة، تهتم بالتفاصيل، تلتقط ما يمرّ على الآخرين دون أن ينتبهوا له. ومع الوقت، تحوّل هذا الاهتمام إلى شغف، ثم إلى مشروع، ثم إلى دراسة أكاديمية في التصوير الفوتوغرافي وصناعة الأفلام القصيرة.

ومع هذا الشغف، جاءت الإنجازات. نجاة ليست مجرد مصوّرة، بل فنانة صنعت لنفسها حضورًا عربيًا وعالميًا. حصدت مئات الجوائز المحلية والدولية، وكان آخرها حصولها على المركز الثاني في جائزة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان الفوتوغرافية للجواد العربي في محور جمال الجواد العربي. قدّمت محاضرات ودورات وورشًا في السعودية وخارجها، وحكمت العديد من المسابقات الدولية والمحلية، وأصبحت مدربة معتمدة من المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني. كما نفذت عدة أفلام قصيرة، لتثبت أن رؤيتها لا تتوقف عند الصورة الثابتة، بل تمتد إلى الصورة المتحركة أيضًا.

ورغم هذا النجاح، كانت ترى سلبيات واضحة في المجال. كانت تشعر أن سهولة الوصول للتقنيات جعلت البعض يقلل من قيمة الصورة، وكأنها مجرد ضغطة زر. لكن نجاة كانت تعرف أن الصورة الحقيقية لا تُلتقط بسهولة، بل تُصنع بالإحساس، وبالخبرة، وبالصدق الفني. كانت ترى أن التحدي الحقيقي هو الحفاظ على الهوية وسط هذا الزخم، وأن الفنان الذي يعرف نفسه لا يخشى المقارنات.

أما إيجابيات المجال، فكانت بالنسبة لها كثيرة. التصوير منحها مساحة للتعبير، ولتوثيق اللحظات التي تستحق أن تُخلّد، ولرؤية الجمال في أبسط الأشياء. كانت تجد نفسها في التراث، في الحرف اليدوية، في الوجوه التي تحمل تاريخًا، في الأماكن التي تحفظ ذاكرة المكان. هذا الارتباط جعل أعمالها أكثر دفئًا، وأكثر صدقًا، وأكثر قربًا من الناس.

التحديات التي واجهتها لم تكن قليلة. بدأت بالتعلم الذاتي، وبناء أسلوبها الخاص وسط منافسة كبيرة. كان عليها أن تثبت هويتها، وأن تحافظ على رؤيتها دون أن تتأثر بالاتجاهات السريعة. لكنها تجاوزت كل ذلك، وأصبحت أكثر وعيًا وثقة، وأكثر حضورًا في المشهد الفوتوغرافي.

أما طموحها، فهو مستمر. تريد أن تتطور تقنيًا وإبداعيًا، وأن تقيم معرضها الخاص الذي يجمع رحلتها تحت رؤية واحدة. تريد أن تضع أعمالها في مساحة يراها الناس كما تراها هي: قصصًا من الضوء، وحكايات من الروح، وذكريات تحفظها الصورة قبل أن يحفظها الزمن.

نجاة علي الفاضل ليست مجرد مصوّرة.
هي عين ترى ما لا يُرى، وروح تلتقط ما لا يُقال، وفنانة تعرف أن الصورة ليست إطارًا… بل حياة كاملة.

3 تعليق