المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 4 أسابيع

هناك مصورون يلتقطون ما يراه الجميع، وهناك مصورون يلتقطون ما لا يراه أحد. وبين هذين العالمين يقف مجيد زهير، المصور البحريني الذي بدأ رحلته عام 1992، في زمن كانت فيه الصورة تُنتظر كما تُنتظر رسالة من بعيد. زمن الفيلم، والتحميض، والدهشة الأولى حين تظهر الملامح على الورق. لم تكن الكاميرا آنذاك مجرد أداة، بل كانت وعدًا… وعدًا بأن اللحظة لن تضيع، وأن الإنسان سيبقى حاضرًا حتى بعد أن يختفي.

ولد مجيد في المنامة، المدينة التي تتنفس قصصًا أكثر مما تتنفس هواء. مدينة تختلط فيها أصوات الأسواق القديمة مع وقع الخطوات على الأرصفة، وتتشابك فيها الوجوه مع ذاكرة المكان. هناك، وسط هذا الخليط، اكتشف أن حياة الناس ليست مجرد مشاهد عابرة، بل عالم كامل من المشاعر التي تستحق أن تُوثّق. ولهذا اتجه نحو تصوير حياة الناس والبورتريه الإنساني العاطفي، حيث لا يبحث عن الجمال المصنوع، بل عن الصدق الخام… عن تلك النظرة التي تقول كل شيء دون أن تنطق.

منذ بداياته، كان مجيد مختلفًا. لم يكن يطارد “اللقطة المثالية” كما يفعل الكثيرون، بل كان يطارد “الإحساس المثالي”. كان يؤمن أن الصورة التي لا تحمل شعورًا، لا تحمل قيمة. ولهذا كان يقترب من الناس بفضول الفنان، لا بفضول المصور؛ يبحث عن التجاعيد التي تحكي عمرًا، عن يدٍ تصنع بإخلاص، عن طفل يضحك بلا سبب، عن رجل يجلس على عتبة متجره وكأنه يجلس على ذاكرة كاملة.

ولم يكن غريبًا أن يجد إلهامه في المصور العالمي ستيف ماكوري، الذي اشتهر بقدرته على التقاط “روح الإنسان” في لحظة واحدة. كان مجيد يرى في أعماله ما يبحث عنه هو أيضًا: صورة لا تُقرأ بالعين فقط، بل بالقلب. صورة تحمل رسالة، وتعبُر القارات واللغات دون أن تفقد معناها. صورة تستطيع أن تغيّر نظرة، أو توقظ إحساسًا، أو تفتح بابًا للتعاطف.

لكن مجيد لم يكن مجرد متأثر… كان صاحب رؤية.
كان يؤمن أن الصورة ليست توثيقًا فقط، بل رسالة.
رسالة تحفظ ما قد ينساه الزمن، وتعيد للوجوه قيمتها، وللحظات معناها.

ولهذا كان يرى أن المنامة ليست مدينة فقط، بل كتاب مفتوح.
كل شارع فيه فصل، وكل وجه فيه سطر، وكل لحظة فيه جملة تستحق أن تُقرأ.

إيجابيات هذا التخصص بالنسبة له لم تكن تقنية، بل إنسانية.
كان يشعر أن كل صورة تبني جسرًا بينه وبين الشخص الذي أمامه، حتى لو لم يتبادلا كلمة واحدة.
كان يؤمن أن الصورة الصادقة قادرة على إثارة التعاطف، على تغيير فكرة، على حفظ هوية البحرين الحقيقية بعيدًا عن التجميل والتكلف.

لكن الطريق لم يكن سهلًا دائمًا.
ففي تصوير الشارع، الخصوصية حساسة، واللحظة سريعة، والناس قد يسيئون الفهم.
وكان عليه دائمًا أن يوازن بين احترام الإنسان وبين توثيق الحقيقة.
كما كان يرى أن الاعتماد المفرط على التجميل الرقمي يقتل روح الصورة، ويشوّه الملامح التي تحمل تاريخًا لا يجب أن يُمحى.

ومع ذلك، استمر مجيد في طريقه.
قدّم ورشًا عامة، وشارك في معارض، وفتح أبواب خبرته للآخرين.
كان يرى أن المصور الحقيقي لا يحتفظ بالمعرفة لنفسه، بل يشاركها، ينقلها، يزرعها في غيره.
كان يؤمن أن كل مصور جديد هو امتداد لرسالة الصورة الإنسانية التي يؤمن بها.

أكبر تحدياته لم تكن في الشارع، بل في كسب ثقة الناس.
الثقة ليست أمرًا يُطلب… بل تُمنح.
وكان عليه أن يثبت للناس أن عدسته لا تسرق لحظة، بل تحفظها.
أنها لا تكشف ضعفًا، بل تكشف إنسانية.
أنها لا تتطفل، بل تحترم.

ومع مرور السنوات، أصبح مجيد ليس مجرد مصور، بل شاهدًا على الزمن.
شاهدًا على وجوه البحرين، على قصصها، على تحوّلاتها، على لحظاتها التي لا تُكتب في الكتب، بل تُكتب في العيون.

أما طموحه، فهو أكبر من مجرد التقاط صور جميلة.
يريد أن يؤسس مدرسة أو ورشة متخصصة في فلسفة الصورة الإنسانية، مدرسة لا تعلّم التقنية فقط، بل تعلّم “كيف ترى”.
ويريد أن ينشر كتابًا يجمع ثلاثة عقود من البورتريهات تحت عنوان:
“رسائل لم تُقرأ”
كتاب لا يعرض صورًا فقط، بل يعرض حياة كاملة… حياة الناس في البحرين كما رآها هو، وكما شعر بها.


لا يمكن اختصار ثلاثة عقود من التصوير في كلمات، ولا يمكن وضع روح فنان داخل إطار.
لكن يمكن القول إن مجيد زهير لم يكن يومًا مجرد مصور…
كان ذاكرة تمشي، وعينًا تفهم، وروحًا تحفظ ما يخشاه الزمن.

هو لا يلتقط الوجوه…
هو يلتقط الحياة وهي تمرّ.

0 تعليق