المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 3 أسابيع

المصورة نجلاء عنقاوي

مسيرة فوتوغرافية تصنع الأثر وتعيد تشكيل حضور المرأة العربية في الفن البصري


نجلاء عنقاوي ليست مجرد مصوّرة سعودية حققت حضورًا عالميًا؛ إنها حكاية ضوء بدأت قبل أكثر من أربعة عقود، واستمرت في الاتساع حتى أصبحت جزءًا من المشهد الفوتوغرافي الدولي. وُلدت علاقتها بالكاميرا في وقت مبكر من حياتها، حين كانت جدة مدينة تتشكل بين البحر والضوء والحركة، وكانت الكاميرا بالنسبة لها نافذة صغيرة تطل منها على العالم. في عام 1980 بدأت تلتقط صورًا بسيطة، لكنها كانت تحمل في داخلها بذرة شغف لم تكن تعرف إلى أين سيقودها. كانت الصورة بالنسبة لها وسيلة لفهم الحياة، ولتسجيل اللحظات التي تمرّ سريعًا، وللتأمل في التفاصيل التي لا يلتفت إليها الكثيرون. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا الشغف الهادئ إلى مسار طويل من البحث والتجربة والتطور.

لم يكن احترافها للتصوير قرارًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لمسيرة امتدت لسنوات، لكن عام 2010 كان نقطة التحول الكبرى، حين قررت أن تدخل الساحة العالمية بكل ما فيها من منافسة وتحديات. كان دخولها هذا العالم خطوة جريئة، خصوصًا في وقت كانت فيه الساحة الدولية يغلب عليها حضور الرجال، وكانت المرأة العربية نادرًا ما تظهر في قوائم الفائزين أو لجان التحكيم أو الاتحادات الدولية. ومع ذلك، لم تتردد نجلاء، بل دخلت بثقة، وبإيمان عميق بأن الصورة لغة عالمية لا تعترف بالحدود ولا بالجنس ولا بالعمر. ومنذ تلك اللحظة بدأت مشاركاتها في المسابقات الدولية، وبدأ اسمها يظهر في قوائم الفائزين، وفي المعارض، وفي سجلات الاتحادات الفوتوغرافية الكبرى، حتى أصبحت واحدة من أكثر المصوّرات العربيات حضورًا وتأثيرًا.

تتجه نجلاء في أعمالها إلى تصوير السفر وحياة الناس والشعوب، وتجد في الوجوه البشرية ما لا تجده في أي موضوع آخر. بالنسبة لها، الإنسان هو محور الصورة، مهما كان المكان أو الزمان. كانت تسافر إلى دول مختلفة، وتلتقي بثقافات متعددة، وتلتقط تفاصيل صغيرة تحمل في داخلها قصصًا كبيرة: امرأة تصنع الخبز في قرية نائية، طفل يركض في شارع ترابي، شيخ يجلس أمام متجره، صياد يعود من البحر، أو امرأة تحمل ماءً في طريق طويل. هذه التفاصيل التي قد تبدو عادية للآخرين، كانت بالنسبة لها كنوزًا بصرية تستحق أن تُوثّق، لأنها تحمل روح المكان وروح الإنسان. وفي كل صورة كانت تبحث عن الإحساس قبل التكوين، وعن القصة قبل التقنية، وعن اللحظة قبل كل شيء.

أما في التصوير الإبداعي، فقد وجدت مساحة أوسع للتعبير عن الفكرة، ولتجربة الضوء والظل، ولصناعة صور تحمل معنى يتجاوز حدود المشهد. كانت تؤمن بأن الصورة ليست مجرد انعكاس للواقع، بل يمكن أن تكون رؤية، فكرة، إحساسًا، أو حتى سؤالًا مفتوحًا. ولذلك جاءت أعمالها الإبداعية محمّلة بالرمزية، وبالعمق، وبالقدرة على إثارة التأمل.

ومع مرور السنوات، بدأت إنجازاتها تتراكم بشكل لافت. حصلت على 98 لقبًا عالميًا، ثلثها ألقاب فخرية من جهات دولية مختلفة، وهو رقم نادر في الساحة العربية. وتُعد السعودية الوحيدة التي نالت لقبين فخريين من الاتحاد الدولي لفن التصوير FIAP، وهو إنجاز يعكس حجم حضورها وتأثيرها. كما حصدت العديد من الذهبيات والجوائز في مسابقات عالمية مرموقة، وشاركت في معارض دولية في أوروبا وآسيا والشرق الأوسط، وأصبحت جزءًا من صناعة القرار الفوتوغرافي العالمي من خلال توليها مناصب قيادية في منظمات دولية، مثل نائب الرئيس التنفيذي لـ ICS الأمريكية، وممثلة المملكة والدول العربية في UAPP، ورئاسة نادي تصوير عالمي ضمن FIAP وPSA منذ عام 2016، إضافة إلى عملها كمحكّمة دولية ومحلية منذ عام 2012، ومدربة معتمدة قدمت برامج في الجامعات وجمعيات الثقافة والفنون.

لم تكن الطريق سهلة، فقد واجهت في بداياتها تحديات كبيرة، أبرزها كونها امرأة تدخل ساحة عالمية يغلب عليها الرجال. لكنها لم تتراجع، بل حولت هذا التحدي إلى قوة دفعتها للاستمرار، حتى لُقبت بين المصوّرات العالميات بـ “السيدة الحديدية”، وهو لقب يعكس صلابتها وإصرارها وقدرتها على مواجهة الصعوبات دون أن تفقد هدوءها أو اتزانها. كانت تؤمن بأن النجاح لا يأتي من الصراع، بل من الثبات على المبادئ، والعمل الجاد، وتقديم قيمة حقيقية في كل صورة وكل مشاركة.

ومع كل هذا الحضور العالمي، لم تنسَ نجلاء دورها تجاه الجيل الجديد. فقد كانت سببًا مباشرًا في وصول عدد من المصورين والمصورات العرب إلى منصات دولية، من خلال دعمها، وتوجيهها، وفتح الأبواب أمامهم. كانت ترى أن نجاحها لا يكتمل إلا إذا تركت أثرًا يمتد إلى الآخرين، وأن دورها الحقيقي هو أن تكون جسرًا يعبر من خلاله الجيل القادم نحو العالمية. ولذلك كانت حاضرة في التدريب، وفي التحكيم، وفي المشورة، وفي دعم المواهب الشابة.

واليوم، بعد مسيرة طويلة امتدت لأكثر من أربعة عقود، لا تزال نجلاء ترى أن الطريق أمامها ممتد، وأن الضوء الذي بدأ صغيرًا في جدة لا يزال قادرًا على أن يضيء أماكن جديدة. تطمح إلى مواصلة السفر، والتحكيم، والمشورة، واكتشاف ثقافات جديدة، وزيارة دول لم تصل إليها بعد. وتؤمن بأن الصورة لا تزال قادرة على أن تمنحها دهشة جديدة، وأن كل رحلة تحمل معها لقطة لم تُلتقط بعد.

إن سيرة نجلاء عنقاوي ليست مجرد قصة مصوّرة، بل قصة امرأة صنعت مجدها بالضوء، وكتبت حضورها في ذاكرة الفن الفوتوغرافي، ورفعت اسم بلدها في المحافل الدولية، وأثبتت أن الشغف حين يقترن بالإصرار يمكن أن يتحول إلى مسيرة تمتد لأجيال. إنها حكاية ضوء بدأ من جدة، ثم امتد ليصل إلى العالم، ولا يزال مستمرًا في الاتساع.

2 تعليق