المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 4 أيام

منصور محمد المنصوري… حين تتحوّل اللقطة إلى نبض، وتتحوّل الرحلة إلى سينما.



ينتمي منصور محمد المنصوري إلى فئة نادرة من صُنّاع الصورة الذين لا يتعاملون مع الكاميرا كأداة، بل كحاسة إضافية تمنحهم القدرة على التقاط ما لا يُرى. هو فنان سينمائي بصري إماراتي من مدينة العين، تشكّلت تجربته عبر أكثر من عقد من الزمن، قضاه في ملاحقة الضوء والحركة والإحساس، وفي تحويل المشاهد اليومية إلى لحظات نابضة بالحياة. بدايته لم تكن قرارًا مهنيًا بقدر ما كانت اكتشافًا داخليًا؛ لحظة أدرك فيها أن الصورة تستطيع أن تحمل شعورًا، وأن الفيديو قادر على أن يروي ما تعجز الكلمات عن قوله. ومنذ تلك اللحظة، أصبح التصوير بالنسبة له مساحة للتعبير، ولغة يكتب بها رؤيته للعالم.

أسلوب منصور يقوم على بناء تجربة كاملة، لا مجرد عرض لقطات متتابعة. هو لا يلتقط المشهد كما هو، بل كما يُحسّ، ويعتمد على الانتقالات البصرية المبتكرة التي تربط اللقطات بخيط شعوري يجعل العمل متماسكًا كقطعة موسيقية. كل حركة كاميرا لديه تحمل معنى، وكل انتقال يفتح بابًا جديدًا في القصة، وكل تفصيل بصري يُستخدم ليقود المشاهد إلى إحساس محدد. لذلك، لا يتعامل مع الفيديو كمنتج تقني، بل كحالة فنية تتكوّن من الإيقاع واللون والضوء والسرعة والهدوء والدهشة.

تأثره بالمخرج العالمي Leonardo Dalessandri كان نقطة تحول في رحلته. لم يكن تأثيرًا شكليًا، بل جوهريًا؛ Dalessandri قدّم للعالم مفهومًا جديدًا لتصوير السفر، ومنصور وجد في هذا الأسلوب ما يشبه المرآة التي تعكس طموحه في تقديم تجربة بصرية تتجاوز حدود التوثيق. تعلّم منه أن الفيديو ليس مجرد سرد، بل إحساس متدفق، وأن الانتقال ليس حركة تقنية، بل لغة مستقلة. ومع ذلك، لم يتوقف عند حدود الإعجاب، بل استخدم هذا الإلهام ليصنع أسلوبه الخاص، أسلوبًا يعرفه المتابعون دون الحاجة لقراءة اسمه.

ومع مرور الوقت، لم يكتفِ منصور ببناء مسيرته الفردية، بل أصبح جزءًا من المشهد الإبداعي الإماراتي. أسّس فريق كاميرا الإمارات، وخلق بيئة تجمع الموهوبين، وفتح مساحات للتعاون مع جهات وسفارات ومؤسسات كبرى. أعماله السياحية داخل وخارج الإمارات لم تكن مجرد محتوى ترويجي، بل كانت إعادة صياغة للمكان من خلال عين فنان يرى التفاصيل الصغيرة التي تمنح المشهد روحه. هذا الحضور القوي تُوّج بفوزه بجائزة فزعة التابعة لوزارة الداخلية، وبسلسلة طويلة من الورش التدريبية التي تجاوزت المئة، قدّم فيها خبرته لجيل جديد من المصورين وصنّاع المحتوى.

ورغم هذا النجاح، يرى منصور أن المجال يواجه تحديات حقيقية. يلاحظ أن كثيرين يطاردون المعدات بدل الفكرة، وأن المحتوى يتكرر لأن الهوية غائبة. لكنه يؤمن أن الإبداع لا يحتاج إلا إلى رؤية واضحة وشجاعة في التنفيذ. بالنسبة له، التحديات ليست عوائق، بل مراحل ضرورية في بناء الأسلوب. واجه منافسة كبيرة، وصوّر في ظروف قاسية، وتعامل مع ضغوط العمل والوقت، واضطر لإقناع جهات كثيرة بأفكار غير مألوفة. ومع ذلك، ظل ثابتًا على قناعته بأن الفنان الحقيقي هو من يصنع طريقه، لا من يسير في طريق مرسوم مسبقًا.

طموحه اليوم يتجاوز حدود المكان واللغة. يريد أن يرفع المحتوى العربي إلى مستوى عالمي، وأن يغيّر نظرة الناس لصناعة الفيديو، وأن يثبت أن الإحساس يمكن أن يكون لغة يفهمها الجميع. يسعى لأن يرى جيلًا جديدًا لا يكرر ما يراه، بل يخلق ما يشعر به، جيلًا يضع الفكرة قبل الأداة، والهوية قبل الشكل، والابتكار قبل التقليد. بالنسبة له، المستقبل ملك لمن يملك رؤية، لا لمن يملك معدات.

منصور المنصوري ليس مجرد مصور أو صانع محتوى، بل حالة فنية تتطور باستمرار. هو الفنان الذي يحوّل الرحلة إلى قصة، واللقطة إلى نبض، والمشهد إلى تجربة. ابن العين الذي حمل روح المكان إلى العالم، وصنع لنفسه أسلوبًا لا يشبه إلا ذاته، وترك في كل عمل بصمة تقول إن الصورة ليست ما نراه… بل ما نشعر به.

0 تعليق