المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 4 ساعات

المصورة نجاة الفرساني… حين تتحوّل الرحلة إلى هوية، والعدسة إلى لغة إنسانية

نجاة الفرساني لم تدخل عالم التصوير من باب الهواية العابرة، بل من باب التحوّل العميق. في عام 2014، وبعد تقاعدها المبكر من شركة بتلكو، وجدت نفسها أمام مساحة جديدة من الحياة، مساحة لا تشبه ما قبلها. كان بإمكانها أن تكتفي بالراحة بعد سنوات العمل، لكنها اختارت طريقًا آخر؛ طريقًا يبدأ من السفر وينتهي عند الإنسان. منذ تلك اللحظة، بدأت تبني هويتها البصرية، لا عبر الكتب أو الدورات فقط، بل عبر الاحتكاك المباشر بالحياة، بالوجوه، بالثقافات، وبالقصص التي لا تُروى إلا لمن يقترب بصدق.

منذ بداياتها، انجذبت نجاة إلى التصوير الإنساني والثقافي Human & Cultural Photography، وهو مجال لا يكتفي بالتقاط صورة جميلة، بل يبحث عن معنى أعمق. كانت ترى أن الإنسان هو مركز الحكاية، وأن كل مجتمع يحمل ذاكرة تستحق أن تُوثّق. في الأسواق الشعبية، في القرى البعيدة، في البيئات التي لا يصلها الضوء بسهولة… كانت نجاة تقترب من الناس كما لو أنها تعرفهم منذ زمن. تجلس معهم، تستمع إليهم، وتلتقط صورًا لا تُظهر ملامحهم فقط، بل تكشف روح المكان ودفء اللحظة. أعمالها تحمل صدقًا لا يمكن اصطناعه، وعمقًا لا يأتي إلا من علاقة حقيقية بين المصوّر وموضوعه.

مصدر إلهامها لم يكن مصورًا عالميًا أو مدرسة فنية، بل الإنسان نفسه. كانت تؤمن أن كل وجه يحمل قصة، وأن كل مكان يخفي تفاصيل لا يراها إلا من يملك حسًّا بصريًا صادقًا. بالنسبة لها، الصورة ليست إطارًا بصريًا، بل وثيقة إنسانية، وذاكرة تحفظ ما قد يضيع، ورسالة تتجاوز اللغة والحدود. هذا الإيمان جعلها تبحث دائمًا عن اللحظات التي لا تتكرر، عن المشاعر التي تظهر بلا تكلّف، وعن القصص التي لا تحتاج إلى كلمات كي تُفهم.

رحلاتها حول العالم لم تكن مجرد سفر، بل كانت مختبرًا بصريًا وثقافيًا. كانت تذهب إلى الأماكن التي لا يعرفها السائح العابر، وتقترب من الناس الذين لا يقفون عادة أمام الكاميرا. في كل رحلة، كانت تكتشف شيئًا جديدًا عن الإنسان، وعن نفسها أيضًا. هذا الشغف بالسفر فتح لها أبوابًا واسعة لفهم الثقافات، والتعرّف على تفاصيل الحياة اليومية في مجتمعات مختلفة، وصناعة أرشيف بصري يحمل تنوعًا إنسانيًا نادرًا.

ومع مرور السنوات، تحوّلت رحلتها إلى سلسلة من الإنجازات التي وضعتها في مكانة استثنائية. حصلت على أكثر من 170 جائزة محلية وعالمية، وأصبحت عضوًا في الاتحاد الدولي للتصوير FIAP والجمعية الأمريكية للتصوير PSA، ونالت ألقاب EFIAP وPPSA، وهي من أعلى الألقاب في عالم التصوير. كما أصبحت أول مصوّرة عربية تحصل على لقب Best Author، وهو إنجاز يعكس حضورها القوي في الساحة الدولية. شاركت في معارض داخل البحرين وخارجها، وقدّمت ورشًا ودورات، وأسهمت في تحكيم مسابقات عالمية، وتم إدراج اسمها ضمن كتاب «أوائل العهد الملكي… نصوغ إنجازاتنا من ذهب» تقديرًا لمسيرتها. ولم تكتفِ بذلك، بل نظّمت رحلات تصوير دولية تجمع مصورين من مختلف دول العالم، وتنقل لهم خبرتها ورؤيتها.

ورغم كل هذا النجاح، لم تكن الطريق سهلة. واجهت تحديات عديدة، من صعوبة الوصول لبعض الأماكن، إلى كسب ثقة الأشخاص، إلى التحديات اللوجستية أثناء السفر، وصولًا إلى أصعب التحديات: نقل القصة بصدق دون التأثير على واقعها. كانت تدرك أن التصوير الإنساني مسؤولية، وأن المصوّر ليس مجرد شاهد، بل ناقل للحقيقة كما هي، دون تزييف أو مبالغة. ومع ذلك، كانت هذه التحديات جزءًا من رحلتها، وجزءًا من نضجها الفني والإنساني.

طموح نجاة لا يتوقف عند الجوائز ولا عند المعارض. هي تسعى إلى بناء أرشيف بصري يحمل قيمة فنية وثقافية للأجيال القادمة، وإلى توثيق قصص إنسانية مؤثرة حول العالم، وإلى إقامة معرض فوتوغرافي خاص يجمع خلاصة رحلاتها وتجاربها، وإلى تنظيم المزيد من الرحلات التي تخلق تجارب بصرية وإنسانية تبقى في الذاكرة. بالنسبة لها، التصوير ليس مشروعًا مؤقتًا، بل رحلة مستمرة، ورسالة لا تنتهي.

نجاة الفرساني ليست مجرد مصوّرة؛ هي راوية قصص، شاهدة على الإنسان، وصانعة لجسور بصرية تربط بين الشعوب. رحلتها ليست رحلة كاميرا، بل رحلة قلب يرى ما وراء الملامح، ويلتقط ما وراء اللحظة، ويمنح الصورة معنى يبقى.

0 تعليق