المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ شهر

ارتحالٌ في أثر الوجوه وغوصٌ في أسرار الأعماق
رحلة المصور الإماراتي أحمد عبيد النقبي.


لا تبدأ حكاية الصورة من لحظة الضغط على زر الغالق، بل من الشغف الكامن في عين تلتقط ما يمر به العابرون دون التفات. وفي المشهد الفوتوغرافي الإماراتي المعاصر، يبرز اسم المصور أحمد عبيد النقبي كأحد المغامرين البصريين الذين رفضوا تأطير عدساتهم في قالب واحد. فمن قلب إمارة الشارقة، انطلق النقبي ليمارس نوعاً من الأنثروبولوجيا المرئية، مرتحلاً بين جغرافيا الثقافات الإنسانية تارة، وغائصاً في سكون الأعماق البحرية تارة أخرى، ليصنع لنفسه بصمة فنية تجمع بين صرامة التكنيك وعفوية التوثيق.
ولم يكن احتراف التصوير لدى أحمد النقبي قراراً فجائياً، بل كان امتداداً طبيعياً لوعي بصري تشكّل تدريجياً منذ تسعينيات القرن الماضي خلال المقاعد الدراسية، حيث كانت الكاميرا رفيقته الدائمة في الرحلات المدرسية، والمهرجانات، واللقاءات الأسرية، لتكون الصورة في تلك المرحلة مجرد أداة بريئة لتوثيق الذاكرة وحفظ الحكايات العائلية من النسيان. ومع مطلع الألفينات، بدأ هذا الشغف العفوي يأخذ منحى احترافياً وتخصصياً أعمق، فتحولت الهواية إلى دراسة واطلاع مستمر على تقنيات الإضاءة وزوايا الالتقاط، كما ساهم السفر في فتح آفاق جديدة أمام عينه الفنية، إذ لم يعد مهتماً بالتقاط المشاهد العادية، بل بات مدفوعاً بفضول استكشاف العالم، وفهم ثقافات الشعوب، والاندماج مع بيئاتهم المختلفة.
وتتجلى الفلسفة الفنية للنقبي في سيره على خطى الرواد وتأثره بمدارس التصوير العالمية التي تعتمد على الواقعية المفرطة والعمق التوثيقي، بعيداً عن التجميل الاصطناعي أو المعالجة الرقمية الزائدة التي تفقد الصورة روحها. ويظهر في أعماله تأثر واضح بمدرستين عالميتين، أولاهما مدرسة ستيف ماكيري حيث تتبع عدسته التفاصيل الدقيقة للوجوه وتصطاد نظرات العيون الصادقة التي تختزل تاريخاً وثقافة كاملة دون الحاجة إلى كلمات، وثانيتهما مدرسة سباستياو سالغادو التي تظهر في تبنيه للمشاريع التوثيقية الطويلة التي تتطلب صبراً وجلداً وارتحالاً طويلاً، حيث يصبح المصور جزءاً من البيئة التي يوثقها، وليس مجرد زائر عابر.
ويتوزع هذا النتاج الإبداعي على ثلاثة مسارات فوتوغرافية رئيسية يبدو التنقل بينها بمثابة تحدٍ فني وتقني كبير، حيث يركز في المحور الأول على تصوير حياة الناس ونبض الشارع والأسواق التقليدية والحرف اليدوية التي تكاد تندثر لتقديم وثيقة بصرية حية عن المجتمعات بصدق وعفوية تامة. وينتقل في المحور الثاني إلى تصوير الوجوه والبورتريه الذي لا يراه مجرد التقاط للملامح بل محاولة لتوثيق الهوية الإنسانية، منجذباً بشكل خاص لكبار السن والأطفال في المجتمعات النائية حيث تعكس تجاعيد الوجوه ونظرات العيون قصصاً حقيقية لم تمسها مدنيّة زنيفة. أما المحور الثالث فيتحول فيه النقبي إلى مستكشف بيئي يغوص في أعماق البحار تحت الماء ليتحدى ظلمات البحر والضغط العالي، متسلحاً بتقنيات إضاءة متطورة يسلط بها الضوء على الكائنات البحرية الفطرية والمجهرية الدقيقة، مبرزاً التباين اللوني الساحر والتكوينات الربانية الخفية.
ولم يكتفِ النقبي باحتفاظ أعماله في الأرشيف الرقمي، بل سعى لبناء جسور ثقافية ومشاركتها مع الجمهور والنقاد عبر منصات عرض احترافية رفيعة المستوى مسجلاً حضوراً محلياً ودولياً مميزاً، تجسد في مشاركته بالمهرجان الدولي للتصوير "إكسبوجر" في الشارقة وهو الحدث العالمي الأبرز الذي يمثل التواجد فيه اعترافاً حقيقياً بجودة وتفرد نتاجه البصري، إلى جانب مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية حيث قدم أعمالاً تتقاطع مع الروح الثقافية والجمالية للمهرجان. كما نجح في مد جسر ثقافي فوتوغرافي قوي مع جمهورية مصر العربية من خلال مشاركته في معرض "تفاصيل" ومعرض "كيميت" بمقر سفارة جمهورية مصر العربية، فضلاً عن المعارض التنسيقية المشتركة بين السفارة الإماراتية في القاهرة والجهات الثقافية المصرية.
وخلف كل صورة ساحرة يقدمها أحمد النقبي رحلة طويلة من الجهد والمعاناة والمكاسب والتحديات غير المرئية خلف الكواليس، حيث يرى أن أعظم مكاسب التصوير للمحترف هو تذويب الحدود الجغرافية وبناء روابط إنسانية وشبكة واسعة من المصورين الشغوفين حول العالم الذين يتقاسمون معه نفس الطموح والخبرات. وفي المقابل، تواجهه تحديات لوجستية وفنية مستمرة، بدءاً من معضلة الوقت والتنسيق في السفر التوثيقي الذي يتطلب جهداً كبيراً مع المرشدين المحليين لضمان الوصول الآمن للمناطق النائية في وقت قياسي، مروراً بالعبء المالي المتمثل في غلاء المعدات الاحترافية المخصصة للأعماق وعدسات الماكرو ومستلزمات الحماية المائية وتكاليف السفر المرتفعة، وصولاً إلى مرحلة المخاض الفني المعقدة المتمثلة في فرز آلاف اللقطات وتصنيفها بدقة لتقييم عمقها الإنساني وتحديد طريقة إخراجها النهائي بما يحافظ على واقعيتها دون زيف.
ولا يتوقف طموح أحمد عبيد النقبي عند حدود منصات التواصل أو المعارض المؤقتة، بل يتطلع نحو المستقبل لترك إرث بصري مستدام للأجيال القادمة من خلال مشروعين رئيسيين، أولهما إعداد وتصنيف نتاج رحلاته البرية والبحرية لتوثيقه في كتاب فوتوغرافي فاخر ومبوب يجمع فيه قصص الشعوب وأسرار الكائنات البحرية المجهرية ليكون مكتبة مرجعية مرئية متاحة للجميع، وثانيهما السعي نحو العالمية والدخول بقوة في مضمار المسابقات الفوتوغرافية الدولية الكبرى لرفع اسم الهوية الفنية الإماراتية والعربية في المحافل الثقافية العالمية. وبذلك يمثل النقبي نموذجاً للمبدع الذي يدرك أن الصورة مسؤولية؛ فبينما يغوص في ظلمات البحر بحثاً عن حياة مجهرية متناهية الصغر، يعود ليرتحل عبر القارات بحثاً عن تفاصيل وجه مسنّ يروي حكاية وطن، لتظل عدسته دائماً تبحث عن تلك التفاصيل العميقة التي تسقط من ذاكرة العابرين

0 تعليق