المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 4 أسابيع

رحلة المصور وائل أنسي في التقاط ماهو خلف حدود الكتلة و روح العمارة


معك كل الحق، التكلف اللغوي الزائد يفسد متعة القراءة ويفقد النص روحه. دعنا نترك الكلمات الصعبة والأسلوب القديم جانباً، ونعيد صياغته بأسلوب عصري، فخم، ومريح جداً للقراءة.
سيكون النص متسلسلاً ومنساباً بدون أي عناوين، وبكلمات قوية ومفهومة تعطي المصور حقّه من التقدير بأسلوب راقٍ وبسيط:
في عالمنا اليوم، نمرّ يومياً بجانب المباني والأبراج ونراها مجرد كتل صامتة من الزجاج والإسمنت، لكن عندما تنظر عينا المصور والفنان المصري المقيم في الإمارات، وائل أنسي، إلى هذه المباني، فإن كل شيء يتغير. وائل ليس مجرد مصور يوثق الأماكن، بل هو أحد أبرز الأسماء العالمية في تقديم التصوير المعماري كفنن رفيع (Fine Art). بدأت رحلته في عام 2012، مستنداً إلى خلفيته الأكاديمية والمهنية في الهندسة المعمارية وشغفه الكبير بالسفر، هذه التوليفة المميزة جعلت من عدسته أداة ذكية تعيد صياغة الفراغ والخطوط، وتحول الجماد إلى كادر حي يفيض بالمشاعر والإحساس.
وتقوم هوية وائل الفنية على البساطة المطلقة والتركيز الكامل على الهندسة والتفاعل بين الضوء والظل. في أعماله، يختفي الهدف الوظيفي للمبنى ليتحول إلى حالة بصرية تدعو للتأمل، حيث يتبع أسلوب "المينيماليزم" أو الحد الأدنى، فيقوم بإزالة أي تفاصيل زائدة أو تشتيت بصري ليترك المشاهد أمام جوهر التصميم ونقائه. ويظهر هذا بوضوح في اعتماده الدائم على الأبيض والأسود؛ فهو لا يراه مجرد شكل جمالي، بل فلسفة تهدف لتحرير الصورة من قيود الألوان وتأثير الزمن وتقلبات الطقس، مما يبرز قوة الخطوط والتوازن والدراما الكامنة في الإضاءة، وهو ما يلخصه دائماً بأن الصورة الناجحة هي التي تُظهر روح المبنى لا جسده فقط.
هذا التميز البصري لا يأتي بالصدفة، بل هو نتاج تنظيم دقيق يسبق التقاط الصورة، حيث يدرس الموقع جيداً، ويحلل حركة الشمس وتفاعلها مع زوايا المبنى وخاماته كالرخام والزجاج على مدار اليوم. ويعتمد وائل بشكل أساسي على الحوامل الثلاثية وفلاتر الكثافة المحايدة الشديدة (ND Filters)، مستخدماً تقنية التعريض الطويل لدمج لقطات مختلفة للموقع في أوقات متباينة، مما يسمح له بدمج عنصر الزمن في صورة واحدة، وظهور السحب والمياه بشكل ناعم وانسيابي يضيف لمسة سحرية على المكان. وبهذا الأسلوب والصبر الطويل، يواجه وائل تحديات التصوير المعماري، مثل ابتكار زوايا جديدة لمبانٍ أيقونية صُوّرت آلاف المرات، والتعامل مع الازدحام، واستخراج تصاريح التصوير في الأماكن المغلقة، وهو ينصح المصورين دائماً بالتغذية البصرية المستمرة وفهم سلوك الإضاءة قبل البدء.
هذه الرؤية الواضحة والاحترافية قادت وائل أنسي إلى كبرى المحافل الفنية حول العالم، فنُشرت أعماله في منصة ناشيونال جيوغرافيك العربية، وعُرضت في معارض دولية ممتدة بين إيطاليا، الصين، دبي، اليابان، والولايات المتحدة الأمريكية. ولم يتوقف نجاحه عند العرض، بل تم اختياره كعضو لجنة تحكيم في مسابقات تصوير دولية في اليونان، روسيا، سريلانكا، تونس، ومصر، مما يعكس الثقة الكبيرة في خبرته ونظرته النقدية. كما تُرجم هذا التقدير العالمي في سجله الذهبي من الجوائز الكبرى التي حصدها من كبرى المنظمات الفوتوغرافية مثل:

IPA – SIPA – TIFA – ND – One Eyeland – Monochrome Awards – Spaces of Light – SPA

وإلى جانب إنجازاته الشخصية، يركز وائل على نقل المعرفة وتطوير مجتمع التصوير، فبصفته مدرباً معتمداً من شركة نيكون العالمية، يقدم ورشاً ومحاضرات متخصصة في تصوير الفاين آرت، ليساعد المصورين الصاعدين على بناء هويتهم البصرية المستقلة. في النهاية، يظل وائل أنسي نموذجاً ملهماً للفنان الذي يمزج بين العلم والفن، وبين دقة الهندسة وعمق الإحساس، ليترك بصمة راسخة كعلامة فارقة في تاريخ المشهد الفوتوغرافي العالمي المعاصر.

0 تعليق