المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ اسبوع

المصوّر رامي ديبو: عينٌ تتقن قراءة الضوء وقلبٌ يلاحق المعنى

رامي ديبو هو ذلك المصوّر الذي لا يكتفي بالتقاط المشهد، بل يلتقط روحه، ويعيد صياغة الضوء كما لو كان مادة طيّعة بين يديه. منذ أن حمل الكاميرا في سن السادسة عشرة، بدأ ينسج علاقة خاصة مع العالم، علاقة لا تقوم على المشاهدة فقط، بل على الإصغاء العميق لما تقوله الطبيعة حين تصمت. ومع مرور السنوات، تحوّل هذا الشغف إلى احتراف عام 2014، ليصبح أحد أبرز الأصوات البصرية في عالم التصوير الفلكي وتصوير المدن والطبيعة، مصوّرًا لا يبحث عن اللقطة السهلة، بل عن تلك اللحظة التي تتجلّى فيها الحقيقة في شكل ضوء.

تأثر رامي بكبار المصورين العالميين مثل Ansel Adams و Daniel Kordan، لكنه لم يكن يومًا تابعًا لأسلوب أحد؛ بل صنع لنفسه هوية بصرية متفرّدة، تقوم على الدقة العلمية في التخطيط والعمق الجمالي في التنفيذ. يدرس مواقع التصوير كما يدرس الباحث خرائطه، يتتبّع حركة القمر والشمس عبر برامج فلكية متقدمة، ويقرأ تضاريس المكان قبل أن يصل إليه، وكأنه يهيّئ المشهد لاستقباله. هذا الوعي المسبق يمنحه قدرة على التقاط لحظات لا تتكرر، لحظات تتطلب مصوّرًا يعرف كيف يفاوض الضوء، وكيف ينتظر حتى يلين الزمن بين يديه.

الصبر عند رامي ليس مجرد صفة، بل طقس من طقوس الإبداع. يمكن أن يقف لساعات طويلة في موقع واحد، وسط برد يلسع أو حرارة تشتعل، منتظرًا تلك اللحظة التي يتغيّر فيها كل شيء خلال ثانية واحدة. هذا الانتظار الطويل هو ما يمنح أعماله ذلك الهدوء العميق، ذلك الاتساق البصري الذي يجعل الصورة تبدو وكأنها التُقطت خارج حدود الزمن. كثير من أعماله هي نتيجة زيارات متكررة للموقع نفسه، يعود إليه في فصول مختلفة، يراقب تغيّر السحب، تنفّس الأرض، وتحوّلات الضوء، ليختار اللحظة التي ينسجم فيها كل شيء كما لو أن الطبيعة قررت أن تتعاون معه.

ورغم امتلاكه أدوات معالجة متقدمة، إلا أن رامي يرفض المبالغة في التعديل، ويصرّ على أن تبقى الصورة أمينة للمشهد. يؤمن أن الصدق البصري هو جوهر العمل الفني، وأن المعالجة يجب أن تكون امتدادًا للّقطة لا تشويهًا لها. لذلك تأتي أعماله متوازنة بين التقنية والواقعية، بين العلم والشعور، بين ما تراه العين وما يشعر به القلب. الطبيعة في صوره ليست مزخرفة، بل حقيقية، نقيّة، تحمل أثر اللحظة كما هي دون تزويق.

يمتلك أرشيفًا واسعًا من الأعمال غير المنشورة، أرشيفًا يشبه مكتبة من الضوء، فيه مشاريع طويلة المدى وصور تنتظر اللحظة المناسبة لتخرج إلى العالم. هذا الأرشيف ليس مجرد تخزين، بل سجلّ بصري لرحلاته، لمغامراته، للأماكن التي زارها في ظروف لا يجرؤ الكثيرون على خوضها. بعض هذه الأعمال يتحول لاحقًا إلى معارض تحمل طابعًا سرديًا متكاملًا، معارض لا تعرض صورًا فقط، بل تعرض رحلة كاملة.

يفضّل رامي السفر منفردًا، لأن العزلة تمنحه قدرة أكبر على قراءة المكان. يرى أن الوقوف وحده أمام الطبيعة يفتح له بابًا للتأمل، ويجعله أكثر انسجامًا مع المشهد الذي يريد تصويره. هذه العزلة ليست هروبًا، بل بحثًا عن صفاء ذهني ينعكس مباشرة على أعماله، ويمنحه قدرة على التقاط المشاهد بروح هادئة ووعي كامل. وبعد كل جلسة تصوير، يدوّن ملاحظات دقيقة حول التجربة: حالة الطقس، الأخطاء، اللحظات التي تستحق إعادة المحاولة، وحتى المشاعر التي رافقته أثناء التصوير. هذه الملاحظات تشكّل جزءًا من منهجه الفني، وتساعده على تطوير رؤيته باستمرار.

يختار معدات التصوير بعناية شديدة، ويجري اختبارات شخصية لكل عدسة قبل اعتمادها في رحلاته الطويلة. لا يعتمد على التوصيات العامة، بل يثق بتجربته وحدها، لأن كل عدسة بالنسبة له يجب أن تخدم رؤية محددة. ورغم أن التصوير قد يكون مكلفًا، خصوصًا مع العدسات الطويلة التي تتطلبها أعماله الفلكية، إلا أن الشغف بالنسبة له أكبر من أي تكلفة، وأعمق من أي عائق.

الصورة عند رامي تبدأ من الفكرة، لا من المشهد. يقضي وقتًا طويلًا في بناء مفهوم العمل قبل التقاطه، يبحث عن المعنى قبل الشكل، عن الرسالة قبل الجمال. لذلك تأتي أعماله محمّلة بعمق سردي، تتجاوز حدود الجمال البصري لتصل إلى مستوى فلسفي، وكأن كل صورة تقول شيئًا لا يُقال بالكلمات. وفي بعض أعماله، يدمج عناصر الطبيعة مع العناصر البشرية ليخلق توازنًا بصريًا يعكس علاقة الإنسان بالمكان، علاقة لا تقوم على السيطرة بل على الانسجام.

يمتلك قدرة على قراءة الطقس بدقة، يستطيع توقع تغيّر السحب والضوء خلال دقائق، وهذه القدرة تطوّرت عبر سنوات من التجربة، وأصبحت جزءًا من أدواته غير المرئية. هذه المهارة هي ما جعلته قادرًا على مطاردة العواصف والبرق في مغامرات خطرة، مغامرات وصلت في إحدى المرات إلى إصابة مؤلمة في إصبعه أثناء استخدام الدرون قرب بركان في آيسلندا، على بعد ساعتين من أقرب طريق. ورغم قسوة التجربة، لم تتراجع روحه، بل زادته إصرارًا على مواصلة رحلته، لأن المغامرة بالنسبة له ليست خيارًا، بل جزء من هوية المصوّر الذي يبحث عن الضوء في أماكن لا يصل إليها الكثيرون.

اختار وجهات سفره بناءً على مشاريع تصوير محددة، لا بناءً على السياحة أو الترفيه، فكل رحلة بالنسبة له مهمة فنية، وكل مكان يزوره يحمل هدفًا بصريًا يريد تحقيقه. حصل على جوائز محلية ودولية، وشارك في معارض وطنية وعالمية، ونجح في بناء حضور واسع على منصات التواصل الاجتماعي، لكن كل هذه الإنجازات بالنسبة له ليست نهاية الطريق، بل محطات صغيرة في رحلة أكبر. فالتصوير بالنسبة له يمنحه سلامًا داخليًا، ويفتح له أبواب السفر إلى أماكن نادرة، ويتيح له إلهام الآخرين كما يستلهم هو من الطبيعة والضوء. وكل رحلة تصوير تغيّر جزءًا من شخصيته، وتضيف طبقة جديدة إلى أسلوبه الفني، ليظل طموحه ممتدًا نحو المزيد من السفر، المزيد من المعارض، والمزيد من الأعمال التي تحمل بصمته الخاصة وتروي قصصًا جديدة من مغامراته.

0 تعليق