المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 2 أسابيع

مسار فوتوغرافي يتشكّل خارج الضجيج: قراءة في تجربة المصور عدي شنشل


في كل مجال فني، يظهر عدد محدود من المصورين الذين لا يكتفون بالتقاط الصور، بل يعيدون تعريف علاقتهم بالضوء واللحظة والمشهد. مصورون لا ينشغلون بالانتشار السريع، ولا يلهثون خلف اللقطة السهلة، بل يبنون حضورهم عبر التجربة المتراكمة، والعمل الميداني، والالتزام الحقيقي بما تعنيه الصورة. وفي المشهد الفوتوغرافي العربي، برزت خلال السنوات الأخيرة تجربة لافتة تنتمي إلى هذا النوع من المسارات الهادئة والواثقة؛ تجربة تشكّلت بعيدًا عن الضجيج، واعتمدت على فهم عميق للصورة قبل أن تعتمد على أدواتها. هذه التجربة بدأت من مدينة الموصل، من بيئة بصريّة غنية بالتفاصيل، ومن علاقة مبكرة مع الكاميرا الفيلمية التي لا تمنح صاحبها فرصة للخطأ. هناك، تشكّل وعي فنان يرى في التصوير أكثر من ممارسة تقنية، ويرى في المشهد أكثر من إطار. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الوعي إلى أسلوب، ثم إلى هوية، ثم إلى حضور واضح في الساحة الفوتوغرافية العربية والدولية. ومن هنا تبدأ قصة عدي شنشل


منذ بداياته عام 2000، لم يتعامل عدي مع التصوير كهواية عابرة، بل كوسيلة لفهم المكان وتوثيق ما يمرّ أمامه دون أن يلتفت إليه الآخرون. كانت الكاميرا الفيلمية بالنسبة له مدرسة كاملة؛ مدرسة تعلّمه الصبر، والانتباه، والقدرة على قراءة الضوء قبل الضغط على زر الالتقاط. ومن خلال توثيق المباني التراثية في الموصل، بدأ يدرك أن الصورة ليست مجرد تسجيل بصري، بل مسؤولية تجاه الذاكرة، وتجاه ما قد يختفي مع الزمن. هذا الوعي المبكر هو ما شكّل أساس هويته الفنية لاحقًا، وهو ما جعله يقترب من الصورة بجدية واحترام


ومع تطور تجربته، وجد عدي نفسه ينجذب إلى عالم الخيول، ذلك العالم الذي يجمع بين القوة والسكينة، وبين الحركة والهيبة. لم يكن دخوله إلى هذا المجال قرارًا تقنيًا، بل كان انجذابًا حقيقيًا نحو كائن يحمل في حضوره ما يستحق أن يُوثّق. الخيل بالنسبة له ليست موضوعًا فوتوغرافيًا فحسب، بل كائنًا يحمل لغة خاصة، لغة لا تُقرأ بالعين فقط، بل تُحسّ بالقلب. ومن هنا بدأ يبني أسلوبه الخاص في تصوير الخيل، أسلوب يعتمد على التقاط اللحظة التي تكشف الشخصية قبل الشكل، والروح قبل الجسد. وقد تأثر في مسيرته بأعمال مصورين عالميين مثل David Lloyd وJimmy Nelson وLynsey Addario وJoey Lawrence، ليس من ناحية التقنية فقط، بل من ناحية الصدق البصري والعمق الإنساني الذي تحمله أعمالهم



هذا المسار الهادئ والواثق تُرجم لاحقًا إلى حضور قوي في الساحة الفوتوغرافية. فقد حقق عدي مجموعة من الإنجازات البارزة، من أهمها حصوله على المدالية الذهبية لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي عام 2022، وهي واحدة من أهم الجوائز في العالم العربي. وفي العام نفسه، فاز بجائزة الشيخ منصور بن زايد للجواد العربي، حيث اختيرت صورته لتكون غلاف كتاب الجائزة، وهو اعتراف واضح بقيمة عمله في مجال تصوير الخيل. ثم جاء فوزه بالمركز الأول في Sony World Photography Awards لعام 2023 ضمن فئة الجوائز الوطنية، في نسخة شارك فيها أكثر من 415 ألف صورة من أكثر من 200 دولة، ليؤكد مكانته على المستوى الدولي



ولم تقتصر مسيرته على الجوائز، بل شارك في عدد كبير من المعارض المحلية والدولية، من بينها مهرجان إكسبوجر الدولي للتصوير، ومعارض اتحاد المصورين العرب، ومعارض في المغرب ومصر والشارقة. هذه المشاركات لم تكن مجرد حضور شكلي، بل كانت جزءًا من بناء شبكة فنية واسعة، ومنحته فرصة لعرض أعماله أمام جمهور متنوع، وللتفاعل مع تجارب مختلفة أثرت رؤيته ووسّعت أفقه


يرى عدي أن التحديات جزء أساسي من متعة التصوير. بالنسبة له، السفر مع المعدات، الانتظار الطويل للحظة المناسبة، مواجهة العواصف الرملية، السير بين الكثبان في الظهيرة، كلها ليست عوائق، بل تفاصيل تمنح الصورة قيمتها. يؤمن بأن الصورة التي تأتي بسهولة لا تحمل الروح نفسها التي تأتي بعد جهد وصبر. كما يرى أن الخلط بين التصوير الفوتوغرافي والمؤثرات الرقمية يمثل أحد أبرز السلبيات في المجال اليوم، لأنه يطمس الحدود بين العمل الحقيقي والعمل المصنوع، ويجعل المتلقي غير قادر على التمييز بين الصورة التي التُقطت بإحساس والصورة التي صُنعت ببرمجيات


ورغم كل ما حققه، لا يزال عدي يعمل بشغف على مشاريع فوتوغرافية جديدة، بعضها بدأ بالفعل، وبعضها لا يزال في مرحلة التخطيط. يطمح إلى افتتاح قاعة عرض فنية فوتوغرافية تكون مساحة لعرض أعماله وأعمال غيره من الفنانين، ويواصل تقديم الورش التدريبية، خصوصًا في مجال تصوير الخيل، لنقل خبرته إلى الجيل الجديد من المصورين. بالنسبة له، التصوير ليس محطة يصل إليها، بل رحلة مستمرة، رحلة تبدأ من الضوء ولا تنتهي عند حدود الإبداع

0 تعليق