رحيل المصوّر خالد أحمد الطلالوة
حين ينطفئ ضوءٌ كان يضيء المكان
ببالغ الحزن والأسى، وبقلوب يعتصرها الفقد، تنعى الأوساط البصرية والمجتمعية رحيل المصوّر خالد أحمد علي سلمان الطلالوة؛ أحد الوجوه المضيئة في سماء الفن الفوتوغرافي، ورجلٌ حمل الكاميرا كما يحمل المرء قلبه، يقدّم بها ما يعجز اللسان عن قوله.
لقد رحل خالد…
رحل كما يرحل الضوء حين يطوي النهار آخر خيوطه، تاركًا خلفه وهجًا يظلّ معلّقًا في الذاكرة، وأثرًا لا يبهت مهما مرّ الزمن. كان الراحل من أولئك الذين لا يلتقطون الصور، بل يلتقطون روح المكان، ويعيدون تقديمه للناس بصدقٍ يلامس القلب قبل العين.
كان خالد يرى في القطيف أكثر من مدينة؛ كان يراها حكاية، نبضًا، ذاكرة، ووجوهًا تستحق أن تُروى بعدسته. لم يكن يطير بطائرة الدرون ليبتعد، بل ليقترب أكثر… ليحتضن المكان من أعلى، ويكشف جماله كما لم يره أحد من قبل.
وفي كل لقطة، كان يترك جزءًا من روحه، وكأن الصورة عهدٌ بينه وبين الأرض التي أحبّها.
عمل بصمتٍ يشبه صمت البحر قبل الفجر؛ صمتٌ مليء بالمعنى، مليء بالضوء. لم يكن يبحث عن الشهرة، بل عن الحقيقة. لم يكن يطارد اللقطة، بل ينتظرها كما ينتظر العاشق إشارة من محبوبه. ولهذا أحبّه الناس، ولهذا بقيت أعماله شاهدة على نقائه قبل احترافه.
واليوم، ونحن نودّع خالد، نشعر أن القطيف فقدت أحد الذين كانوا يكتبونها بالضوء، ويحمون ذاكرتها من النسيان. فقدت عينًا كانت ترى الجمال في التفاصيل الصغيرة، ويدًا كانت تحفظ المكان من الضياع، وقلبًا كان يؤمن أن الصورة ليست مهنة… بل رسالة.
رحل خالد في ذروة عطائه، تاركًا خلفه أرشيفًا سيظلّ يضيء، وغيابًا يوجع القلب، وذكرى طيبة في نفوس كل من عرفه أو عرف أعماله.
رحل الجسد…
وبقي الضوء.
وبقيت الصور التي ستظلّ تقول عنه ما لم يقله هو عن نفسه.
وفي هذا المصاب الجلل، تتقدّم مجموعة تكنيكات بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أسرة الفقيد خالد أحمد علي سلمان الطلالوة، سائلين الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجعل ما قدّمه من جمالٍ وإخلاصٍ وشغفٍ شاهدًا له، وأن يلهم أهله وذويه الصبر والسلوان.
لقد خسر المشهد البصري أحد أنقى أصواته، لكن أثره سيبقى حيًا في ذاكرة المكان، وفي قلوب محبيه، وفي كل صورة حملت بصمته.
المقال
ياسين المرهون