المنشور الرئيسي

مالك سهوي

القطيف . منذٌ اسبوع

**[حكايةٌ اقتنصتها "الخمسة وثمانون": لمحةٌ خاطفة على شرفات جدة البلد]**

قادماً من هدوء القطيف وسحر سواحلها الشرقية، وجدتُ نفسي فجأةً في قلبِ صخبِ التاريخ؛ "جدة البلد". كانت الزيارة سريعة، كطيفٍ عابر، والوقت ضيقاً لا يسمح بالكثير من التأمل. لم تكن جعبتي مثقلة بالعدسات؛ فقط "سوني" وعدسة 85 ملم بفتحة واسعة، تلك التي تخصص عادةً للوجوه وتفاصيلها الدقيقة.

وقف أمام عظمة المباني التراثية، وشعرتُ للحظةٍ بالارتباك. كيف لهذه العدسة "الضخمة" (telephoto) أن تحتضن حكاية زقاقٍ كامل؟ كيف لي أن أوثق هذا الجمال وأنا محرومٌ من رحابة العدسة "الواسعة" أو مرونة "الزوم"؟

لكن، سرعان ما تحول التحدي إلى إلهام.

رفعت الكاميرا، ونظرت عبر العدسة. لم أرَ المبنى بأكمله، بل رأيتُ "روحه".

اقتنصت العدسة 85 ملم قطعةً من السماء الزرقاء الصافية، لتكون خلفيةً مثاليةً لبطلة القصة: "الرواشين" الفيروزية الساحرة. بفضل البعد البؤري الطويل، تمكنتُ من "تقريب" المسافات وإبراز النقوش الخشبية المعقدة وكأنها قطعة مجوهرات بين يدي، لا شرفةً على علو طوابق.

أحببتُ كيف جعلت العدسة الصفوف المتكررة من النوافذ الفيروزية تبدو كأنها طبقات متلاحقة من الحكايات التي تنتظر من يرويها. وعلى يسار الكادر، حشرت العدسة ببراعة جزءاً من شرفةٍ خشبيةٍ بنيةٍ داكنة، لتخلق تباينًا لونيًا غنيًا وتؤطر المشهد بعمقٍ بصري جذاب.

أما تلك الأعمدة الحجرية البيضاء الضخمة في المقدمة، فقد حولتها فتحة العدسة الواسعة والبعد البؤري إلى كتلٍ ناعمة وقوية في آنٍ واحد، ترتكز عليها ذاكرة المكان وتدفع بالعين نحو الأعلى، نحو تفاصيل الخشب المنحوت بدقة.

حتى تلك التفاصيل الصغيرة، كأجهزة التكييف الحديثة على الجدار الجانبي الأبيض، بدت في لقطة الـ 85 ملم كشاهدٍ على التمازج بين الأصالة والمعاصرة، دون أن تطغى على جمال التراث.

لم تكن مجرد صورة معمارية، بل كانت "بورتريه" لشرفاتٍ عاشت قروناً، نُظر إليها بعينٍ محبة تبحث عن الجمال في التفاصيل، واقتنصتها عدسة الـ 85 ملم لتبقى ذكرى خالدة لزيارةٍ سريعة، قادمة من القطيف إلى قلب جدة النابض.
#جدة_التاريخية #الروشين #تراث_السعودية #عدسة_سوني #تصوير_فوتوغرافي #عبق_الماضي #حداثة #جمال #ألوان #نقوش_خشبية

like 156
0 تعليق