المقالات

استكشف أحدث المقالات والتدوينات التقنية

ياسين المرهون

منذٌ 20 ساعات قراءة المقال
ياسين المرهون

د. أحمد محمد حسن.. حين تتحول الصورة إلى ذاكرة إنسانية تعبر الزمن ليست الصورة الفوتوغرافية مجرد انعكاس للحظة عابرة، ولا وثيقة بصرية تحفظ هيئة المكان وملامح الإنسان فحسب؛ إنها، في جوهرها الأعمق، محاولة لمقاومة النسيان، وصون الذاكرة الإنسانية من التحولات التي يعيد الزمن من خلالها تشكيل العالم. ومن هذا المنظور تتشكل تجربة الدكتور أحمد محمد حسن، المصور الفوتوغرافي المصري المنحدر من مدينة الإسكندرية، الذي اختار أن يجعل من الكاميرا وسيلة لاكتشاف الإنسان، وقراءة الثقافات، وتوثيق الموروث الحضاري والاجتماعي للشعوب. في تجربته، لا يحتل الإنسان موقع العنصر العابر داخل المشهد، بل يصبح محور الحكاية وغايتها؛ فالوجوه، والملابس التقليدية، والأسواق القديمة، والحرف المتوارثة، والتفاصيل اليومية البسيطة، جميعها شواهد على حياة كاملة تستحق أن تُروى. ومن هنا اكتسب تصوير السفر وحياة الناس مكانته الخاصة في مسيرته، بوصفه ممارسة تتجاوز تسجيل المشاهد إلى البحث عن روح المكان وخصوصية المجتمع، وما تختزنه الحياة اليومية من معانٍ قد لا يدركها العابرون. بدأت علاقة أحمد محمد حسن بالتصوير منذ طفولته، حين كانت الكاميرا الفيلمية بوابته الأولى نحو اكتشاف العالم والاحتفاظ بلحظاته. غير أن أكتوبر 2015 مثّل نقطة تحول في هذه العلاقة، إذ انتقل التصوير من دائرة الشغف الشخصي إلى مسار أكثر جدية ووعيًا، تتكامل فيه المعرفة بالتجربة، وتلتقي فيه الرغبة في التطور مع الطموح إلى بناء لغة بصرية تحمل بصمته الخاصة. لم يكن هذا الانتقال مجرد قرار باقتناء أدوات أفضل أو ممارسة التصوير بوتيرة أكبر، بل بداية رحلة من التعلم والقراءة والسفر والاحتكاك بالتجارب الفوتوغرافية المتنوعة. وقد انعكس هذا الانفتاح على مصادر إلهامه، التي شملت تجارب سكوت كيلبي، وجيمي نيلسون، وستيف ماكوري، وبرايان بيترسون؛ وهي تجارب مختلفة في مقارباتها وأساليبها، لكنها تتيح للمصور المتأمل أن يكتشف تعدد المسارات التي يمكن للصورة أن تسلكها، من دراسة الضوء والتكوين إلى استكشاف الإنسان والثقافة وبناء الحكاية البصرية. ولعل أبرز ما يميز توجهه الفوتوغرافي هو إيمانه بأن الصورة الجميلة لا تستمد قيمتها من جمالياتها وحدها، وإنما من قدرتها على الاحتفاظ بمعنى يتجاوز لحظة التقاطها. فالمشهد الذي يبدو مألوفًا اليوم قد يصبح غدًا شاهدًا نادرًا على أسلوب حياة تبدل، أو حرفة اندثرت، أو ملامح مجتمع أعادت التحولات العمرانية والثقافية صياغته. ولذلك، فإن توثيق الحياة اليومية في نظره ليس مجرد تسجيل للموجود، بل استثمار في ذاكرة المستقبل. ويضع هذا التصور المصور أمام مسؤولية تتطلب أكثر من المهارة التقنية؛ إذ تستدعي وعيًا بالثقافات، واحترامًا للخصوصية الإنسانية، وقدرة على بناء علاقة حقيقية مع الأشخاص الذين يقف خلف صورهم. ويشير أحمد محمد حسن إلى أن التعامل المباشر مع الناس كان من أبرز التحديات التي واجهته في بداياته، قبل أن يدرك أن الصورة الإنسانية الصادقة تبدأ بالتواصل والاحترام، لا بتوجيه العدسة وحدها. فحين يشعر الإنسان بأن هويته وثقافته موضع تقدير، تصبح الصورة أقرب إلى التعبير عنه، وأبعد عن اختزاله في مشهد عابر. ولا تنفصل هذه الرؤية عن اهتمامه بالمجتمعات التي لا تزال تحتفظ بملامحها التراثية وتقاليدها المحلية. ففي عالم تتسارع فيه العولمة وتتقارب فيه ملامح المدن، تتراجع تدريجيًا بعض الخصوصيات الثقافية التي منحت الأماكن تميزها عبر الأجيال. ومن هنا تبرز أهمية البحث عن التفاصيل التي ما زالت تقاوم هذا التشابه، وتوثيقها قبل أن تصبح جزءًا من ماضٍ لا يمكن استعادته إلا من خلال الصور والشهادات. وعلى امتداد مسيرته، لم يقتصر اهتمام أحمد محمد حسن على تطوير تجربته الفردية، بل امتد إلى بناء جسور للتواصل بين المصورين، وتوسيع فرص حضورهم في المحافل الدولية. ويأتي تأسيسه نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي (PIPC) في مقدمة المحطات التي تعكس هذا التوجه؛ فالنادي، وفق الرؤية التي انطلق منها، يمثل مساحة للتعاون والتبادل المعرفي، ونافذة تتيح للمصورين التواصل مع المؤسسات والأندية والمجتمعات الفوتوغرافية خارج حدودهم المحلية. وتكشف هذه الخطوة عن جانب آخر في شخصيته، يتمثل في الانتقال من ممارسة التصوير بوصفها تجربة فردية إلى الاهتمام ببناء بيئة فوتوغرافية أوسع. فالمصور الذي يعمل خلف الكاميرا يصوغ رؤيته الخاصة، أما حين يشارك في تأسيس منصة تجمع المصورين، فإنه يفتح المجال لتجارب متعددة، ويمنح المعرفة والخبرة فرصًا جديدة للانتقال بين الأفراد والمؤسسات. وتتجلى مكانة هذه التجربة أيضًا في رصيده الذي يضم، بحسب ما أورده في سيرته، 162 لقبًا واعترافًا دوليًا من اتحادات ومؤسسات وأندية فوتوغرافية مختلفة. كما شملت مسيرته التعاون مع مؤسسات ووزارات ثقافة في دول من بينها الهند والصين، والمشاركة في أعمال نُشرت ضمن كتب وإصدارات فوتوغرافية وفنية. وإلى جانب ذلك، تولى مهام التنسيق والتمثيل لعدد من الجهات الفوتوغرافية الدولية في مصر وقطر، من بينها مؤسسات مرتبطة بالهند والصين وتركيا وصربيا ورومانيا واليونان. ولا تقتصر أهمية هذه المحطات على تعدد الأسماء والمؤسسات، بل تكمن في ما تتيحه من فرص للاحتكاك بمدارس مختلفة، وتبادل الخبرات، وتعزيز حضور المصور العربي ضمن فضاء فوتوغرافي عالمي تتعدد فيه الاتجاهات والرؤى. ومع ذلك، يظل أحمد محمد حسن واضحًا في نظرته إلى الإنجاز؛ فالألقاب، على أهميتها، ليست الغاية النهائية، وإنما محطات ضمن مسار أوسع تتحدد قيمته بما يضيفه المصور إلى مجاله، وبما يتركه من معرفة وفرص يستفيد منها الآخرون. وفي عام 2023، أضاف إلى تجربته إصدار كتابه الفوتوغرافي الأول Eagle Eyes، الذي يتناول عددًا من تقنيات التصوير ومفاهيمه. ويمثل الكتاب امتدادًا لاهتمامه بالتعلم وتبادل المعرفة، إذ لا تكتمل التجربة الفنية بمجرد إنتاج الصور، بل يمكن أن تتسع قيمتها حين تتحول الخبرة المتراكمة إلى مادة معرفية تساعد الآخرين على تطوير أدواتهم وفهم ممارساتهم بصورة أعمق. ويتواصل هذا الجانب من خلال عمله مدربًا معتمدًا لدى Nikon School Middle East، حيث يلتقي التصوير بمهمة التعليم والتوجيه. فالتدريب، في هذا السياق، ليس نشاطًا منفصلًا عن الممارسة الفوتوغرافية، وإنما امتداد لها؛ إذ يتيح للمصور أن يعيد قراءة خبرته، ويختبر قدرته على نقل المعرفة، ويسهم في إعداد جيل يمتلك أدوات فنية أكثر وعيًا وقدرة على التعبير. ومن بين القضايا التي يوليها أحمد محمد حسن اهتمامًا خاصًا، ضرورة استمرار المصور في القراءة والتعلم، مهما بلغ من الخبرة أو حقق من الإنجازات. فالتصوير مجال متجدد، تتغير أدواته وتتطور تقنياته وتتبدل مدارسه البصرية، لكن مواكبة هذه التحولات لا تعني التخلي عن الشخصية الفنية أو استنساخ تجارب الآخرين. على العكس، فإن الاطلاع الواعي على تجارب المصورين يمنح الفنان فرصة لفهم اختلاف الرؤى، ثم اختيار طريقه الخاص بعيدًا عن التقليد والتكرار. ومن هذا المنطلق، تبدو تجربته قائمة على توازن بين ثلاثة مسارات متكاملة: ممارسة فوتوغرافية تبحث عن الإنسان وذاكرته، وعمل مؤسسي يسعى إلى توسيع شبكة التواصل بين المصورين، وجهد معرفي يهدف إلى نقل الخبرة وتعزيز فرص التعلم. وهي مسارات تمنح مسيرته بعدًا يتجاوز حدود الصورة المنفردة، لتتصل بأسئلة أوسع حول دور المصور في المجتمع، ومسؤولية الفن تجاه الذاكرة، وأهمية بناء المؤسسات التي تحتضن المواهب وتمنحها فرص النمو. أما طموحه للمستقبل، فلا يتوقف عند تطوير اسمه أو إضافة إنجازات جديدة إلى رصيده، بل يتصل بتعزيز حضور المصور العربي على الساحة الدولية. فهو يرى أن العالم العربي يمتلك ثراءً استثنائيًا في التاريخ والثقافات والبيئات والقصص الإنسانية، وأن هذه الثروة تستحق أن تُقدَّم إلى العالم من خلال أعمال فوتوغرافية تمتلك الرؤية والعمق والقدرة على التواصل مع جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية. ومن خلال نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي ومشاركاته المختلفة، يسعى إلى الإسهام في بناء جسور بين المصور العربي والمؤسسات الفوتوغرافية الدولية، وتوسيع مساحة الفرص المتاحة أمام المواهب الشابة. وهي رؤية تتجاوز فكرة الحضور الرمزي إلى الاهتمام بتهيئة الظروف التي تساعد المصور على التعلم والمشاركة وبناء العلاقات واكتساب الخبرة. في المحصلة، تكشف تجربة الدكتور أحمد محمد حسن عن فهم للتصوير لا يفصل بين القيمة الجمالية والرسالة الإنسانية، ولا يحصر النجاح في حدود الاعترافات والجوائز. فالصورة، في عالمه، ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها؛ إنها وسيلة للاقتراب من الإنسان، وشهادة على تحولات المكان، ومحاولة للاحتفاظ بما قد يعجز الزمن عن إبقائه. ولعل هذه الفكرة تتجسد بوضوح في رسالته إلى المصورين الشباب: ألا يجعلوا الشهرة أو الجوائز هدفهم الأول، بل أن يبحثوا عن المعنى الذي يريدون التعبير عنه من خلال الصورة. فالمصور الذي يمتلك قصة يرويها، ورؤية يسعى إلى تطويرها، واحترامًا للإنسان الذي يصوره، يستطيع أن يمنح أعماله قيمة تتجاوز لحظة التقاطها. ففي نهاية المطاف، لا تقاس قيمة الصورة بما تراه العين وحده، بل بما توقظه في الذاكرة، وما تكشفه من حكايات، وما تتركه من أثر حين يصبح المشهد ماضيًا، ولا يبقى منه سوى الضوء الذي حفظته العدسة.

منذٌ اسبوع قراءة المقال
ياسين المرهون

بهاء الدين القزويني.. حين تصقل الخبرةُ الرؤيةَ ويظل الشغف في المقدمة منذ عام 1984، يمضي المصور الكويتي بهاء الدين القزويني في رحلة فوتوغرافية صاغتها سنوات من الممارسة، وعمّقها الشغف، وصقلتها الرغبة الدائمة في المعرفة والتطور. لم يكن التصوير بالنسبة إليه مجرد مهارة تقنية أو وسيلة لتوثيق المشاهد، بل مساحة لاختبار الرؤية، وميدانًا يتطلب حضور الذهن، وسرعة القرار، والقدرة على استباق اللحظة قبل أن تتوارى. ومن هنا تشكّلت ملامح تجربته، التي تجمع بين الاحتراف العملي والتحصيل الأكاديمي والطموح المستمر إلى بلوغ آفاق أوسع في عالم الصورة. وتتجلى خصوصية القزويني في اهتمامه بالتصوير الرياضي وتصوير الطيور ومختلف المشاهد التي تنبض بالحركة؛ وهي مجالات لا تمنح المصور رفاهية التردد، بل تضعه أمام تحدٍّ دائم لالتقاط لحظة قد لا تتكرر. ففي هذا النوع من التصوير، لا تكفي سرعة الاستجابة وحدها، وإنما تتكامل مع دقة الملاحظة، واستيعاب حركة الموضوع، وتوقّع ما سيحدث في اللحظة التالية. لذلك يؤمن بأن الصورة المتميزة تبدأ من الخيال قبل أن تصل إلى العدسة، وأن امتلاك الأدوات لا يصنع فنانًا ما لم تسنده رؤية قادرة على تحويل المشهد العابر إلى عمل يستحق التأمل. وقد تُوّجت سنوات من السعي عام 1997، حين حصل على تصنيف دولي من المعهد البريطاني للمصورين المحترفين وجمعية المصورين الأساتذة في بريطانيا، بعد اجتياز الاختبارات المهنية هناك، وهو إنجاز يذكره بوصفه محطة بارزة في مسيرته، ويقول إنه كان أول عربي ينال هذا التصنيف. ولم يتوقف طموحه عند حدود الاعتراف المهني؛ إذ واصل رحلته المعرفية حتى حصل على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف في الدراسات الإعلامية من الجامعة الأمريكية في الكويت، في تجربة تعكس إيمانه بأن الخبرة العملية تزداد عمقًا حين تلتقي بالعلم والدراسة. كما امتدت مشاركاته إلى المحافل العالمية، وصولًا إلى كأس العالم لكرة القدم في جنوب أفريقيا عام 2010، إلى جانب إنجازات أخرى محلية ودولية. وفي تشكيل رؤيته، يستلهم القزويني من تجارب المصورين المبدعين والمتميزين، ويأتي أنسل آدامز في مقدمة الأسماء التي يقدّر أثرها الفني. غير أن الإلهام، في نظره، ليس استنساخًا لتجارب الآخرين، بل نافذة لتوسيع المدارك وبناء هوية بصرية خاصة. فكل رحلة إلى مكان جديد، وكل لقاء مع تجربة مختلفة، وكل محاولة لتعلّم تقنية غير مألوفة، يمكن أن تفتح أمام المصور احتمالًا إبداعيًا لم يكن حاضرًا من قبل. ومن هذا المنطلق، لا يرى أن تراكم السنوات سبب للتوقف عن التعلم، بل دافعًا لمواصلة الاكتشاف وإعادة النظر في الأدوات والأساليب والأفكار. ومع هذه المسيرة، لا يغفل القزويني التحديات التي لا تزال تحيط بالتصوير الفوتوغرافي في مجتمعاتنا؛ إذ يرى أن الفن لم يحظَ دائمًا بالتقدير الذي يستحقه، وأن اختزال التصوير في مجرد الضغط على زر يتجاهل ما وراء الصورة من معرفة وخبرة وقرارات فنية دقيقة. كما يلفت إلى محدودية الدعم، وضعف ثقافة اقتناء الأعمال الفوتوغرافية، واستسهال طلب الصور مجانًا، إلى جانب بعض الممارسات التي تضع المصالح الشخصية فوق قيمة العمل الجماعي. ويؤكد أن الارتقاء بالمشهد الفوتوغرافي يحتاج إلى تقدير الخبرات، واحترام التخصص، وإتاحة الفرص لأصحاب الكفاءة، وبناء علاقات مهنية تقوم على التعاون الحقيقي وتبادل المعرفة. ولا تنفصل هذه الرؤية النقدية عن طموحه للمستقبل؛ فالقزويني يتطلع إلى توسيع نطاق التدريب الفوتوغرافي في الخليج والعالم العربي، والعمل مع أصحاب الخبرة لنشر ثقافة بصرية أكثر نضجًا بين الأجيال الجديدة. وهو طموح يتجاوز تقديم المهارات التقنية إلى بناء فهم أعمق للصورة بوصفها لغة فنية تحتاج إلى الخيال والمعرفة والممارسة الواعية. فالمصور، كما يراه، لا يكتمل بما ينجزه لنفسه فحسب، بل بما يتركه من أثر في الآخرين، وبما يسهم به في تطوير البيئة التي ينتمي إليها. وهكذا، تتجاوز تجربة بهاء الدين القزويني حدود السنوات التي قضاها خلف العدسة؛ لتقدم صورة مصور لا يكتفي بما حققه، ولا يتعامل مع الخبرة بوصفها محطة نهائية، بل يراها مسؤولية متجددة تفرض عليه الاستمرار في التعلم والتجريب ونقل المعرفة. وبين لحظة يقتنصها في ميدان الحركة، وفكرة يصوغها في إطار، وخبرة يسعى إلى مشاركتها مع الآخرين، تتجلى فلسفته في التصوير: أن الإبداع لا تصنعه الموهبة وحدها، بل تنضجه المعرفة، وتصقله الممارسة، وتمنحه قيمته الحقيقية القدرة على إلهام الآخرين وفتح الطريق أمامهم.

منذٌ 2 أسابيع قراءة المقال
ياسين المرهون

ملامح الهوية البصرية في تجربة المصور عبدالعزيز سعيد الصيعري يمثل المصور الإماراتي عبدالعزيز سعيد الصيعري نموذجاً للمصور الذي تشكلت تجربته عبر سنوات من الممارسة الميدانية والتطوير المستمر، حيث استطاع منذ انطلاقته في عام 2011 أن يؤسس لنفسه مساراً فوتوغرافياً متنوعاً ارتكز على الشغف الحقيقي بالصورة والبحث الدائم عن التميز البصري. ومن مدينة العين، المدينة التي تزخر بتنوعها الطبيعي وعمقها الثقافي، بدأت رحلته مع الكاميرا لتتحول مع مرور الوقت من مجرد هواية إلى مشروع إبداعي يحمل رؤية فنية واضحة وهوية تتشكل باستمرار من خلال التجربة والخبرة والتأمل. شهدت بدايات الصيعري ارتباطاً وثيقاً بالتصوير الرياضي من خلال عمله مع نادي العين، وهي مدرسة فوتوغرافية تتطلب سرعة بديهة عالية وقدرة على التنبؤ باللحظة الحاسمة والتعامل مع المتغيرات السريعة في الميدان. وقد أسهمت تلك المرحلة في صقل مهاراته التقنية وتطوير حسه البصري، حيث تعلم كيفية ملاحقة الحدث وتجميد اللحظات التي تحمل أعلى درجات التأثير البصري والإنساني. كما وفرت له هذه التجربة فهماً عميقاً للعلاقة بين الحركة والتكوين، وبين التوقيت والدلالة البصرية. ومع اتساع مداركه الفنية، انتقل إلى عالم تصوير الماكرو، وهو أحد أكثر الفروع الفوتوغرافية دقة وتعقيداً. ومن خلال هذا التخصص بدأ باستكشاف العوالم الخفية التي لا تراها العين المجردة بسهولة، واكتشف أن التفاصيل الصغيرة تحمل في طياتها عوالم كاملة من الجمال والتوازن والإبداع الإلهي. لقد شكّل الماكرو مرحلة مفصلية في تطور رؤيته الفوتوغرافية، فمن خلاله تعلّم الصبر والانتباه للتفاصيل الدقيقة وفهم سلوك الضوء والظل وتأثيرهما على المشهد البصري. غير أن الشغف الأكبر قاده في النهاية إلى عالم الطبيعة، حيث وجد المساحة الأرحب للتعبير عن ذاته الفنية. ففي الطبيعة تتجلى العناصر التي تتوافق مع شخصيته الإبداعية؛ الرحابة، والتأمل، والبحث، والمغامرة، والقدرة على اكتشاف الجمال في أكثر اللحظات عفوية. ولذلك أصبح تصوير الطبيعة المجال الذي استقر فيه، ليس بوصفه تخصصاً فنياً فحسب، بل باعتباره لغة بصرية يعبر من خلالها عن رؤيته الخاصة للعالم. وتبرز أعمال الصيعري بوصفها محاولة مستمرة لتوثيق المشاهد الطبيعية وإبراز جمالياتها بطريقة تجمع بين التوثيق الفني والإحساس الجمالي. فهو لا ينظر إلى الطبيعة كمجرد موضوع للتصوير، وإنما باعتبارها مصدراً لا ينضب للإلهام والتأمل والتعلم. في أعماله تتجاور عناصر الضوء والسحاب والمطر والنجوم والفضاءات المفتوحة ضمن تكوينات بصرية تسعى إلى نقل المشاهد من موقع المتلقي إلى حالة المعايشة الكاملة للمشهد. وقد تأثر في بداياته بالمصور والفنان الكويتي ماجد سلطان الزعابي، الذي شكّل في تلك الفترة أحد أهم المصادر التعليمية للمصورين العرب في ظل محدودية المحتوى الفوتوغرافي المتخصص المتاح آنذاك. ولم يكن تأثيره مقتصراً على الجانب التقني فحسب، بل امتد إلى بناء شخصية نقدية قادرة على تقييم العمل الفوتوغرافي والبحث المستمر عن نقاط القوة وفرص التطوير. وهذه النزعة التطويرية انعكست بوضوح على رحلة الصيعري، التي اتسمت بالانتقال المدروس بين التخصصات المختلفة حتى الوصول إلى المجال الذي يمثل هويته الفنية الحالية. ومن السمات اللافتة في تجربته ارتباط التصوير لديه بالجانب الإنساني والشخصي، فهو يرى أن الصورة وسيلة لحفظ اللحظات ومنحها حياة أطول من عمرها الزمني. ويجد في العودة من رحلات التصوير الطويلة ومراجعة النتائج على شاشة الحاسوب شعوراً استثنائياً من الرضا، حيث تتحول ساعات الجهد والانتظار والترقب إلى مشاهد بصرية تخلد لحظات ربما لم تتكرر ولن تتكرر مرة أخرى. ولأن تصوير الطبيعة يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل مع ظروف غير قابلة للتنبؤ، فقد واجه الصيعري العديد من التحديات الميدانية التي استلزمت منه الصبر والقدرة على التكيف واتخاذ القرار السريع. فمطاردة البروق والعواصف والتقاط مشاهد النجوم تتطلب ساعات طويلة من الانتظار والعمل في أوقات متأخرة من الليل، إلى جانب تحمل الظروف الجوية المتقلبة. وفي واحدة من أبرز المواقف التي واجهها، تعرضت معداته لخطر حقيقي نتيجة دخول مياه الأمطار إلى مركبته أثناء إحدى رحلات التصوير، وهو موقف يعكس حجم التحديات التي قد يواجهها مصور الطبيعة في سبيل الحصول على لقطة استثنائية. ورغم هذه التحديات، ينظر الصيعري إلى رحلته الفوتوغرافية نظرة إيجابية قائمة على التعلم المستمر واكتساب الخبرات. ويؤمن بأن من أعظم المكاسب التي حققها التصوير هو بناء شبكة من العلاقات والصداقات مع مصورين يشاركونه الشغف ذاته. وقد أسهم هذا التبادل المعرفي والإنساني في توسيع آفاقه وتعزيز خبراته وإثراء تجربته الفنية على المستويين الشخصي والمهني. وعلى صعيد الإنجازات، تمكن من إثبات حضوره في عدد من المنافسات الفوتوغرافية، حيث حقق المركز الثالث في المسابقة الفوتوغرافية لبطولات سيح السلم، كما حصل على المركز الثالث في مسابقة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لتصوير الخيل العربي. وتمثل هذه النتائج مؤشرات مهمة على جودة أعماله وقدرته على المنافسة ضمن فعاليات تضم نخبة من المصورين، كما تعكس مستوى الالتزام الفني الذي يقدمه في أعماله. إن المتأمل في تجربة عبدالعزيز الصيعري يلاحظ أن رحلته لم تكن رحلة بحث عن الجوائز أو الألقاب بقدر ما كانت رحلة بحث عن هوية بصرية خاصة. فهو يؤمن بأن القيمة الحقيقية للمصور لا تكمن في عدد الصور التي يلتقطها، وإنما في قدرته على إنتاج أعمال تحمل بصمته الخاصة وتميزه عن الآخرين. ولذلك يتمثل طموحه الأكبر في أن تصل أعماله إلى مرحلة يتعرف فيها الجمهور على صوره مباشرة دون الحاجة إلى قراءة اسمه أو الاطلاع على بياناتها التعريفية. وهذا الطموح يعكس فهماً عميقاً لمعنى النضج الفني، فالوصول إلى هوية بصرية مستقلة يعد أحد أعلى مستويات التميز في الفنون البصرية. إنها مرحلة يصبح فيها العمل الفني مرآة لصاحبه، وتتحول الصورة من مجرد مشهد موثق إلى توقيع بصري يحمل شخصية المصور وفلسفته ورؤيته الخاصة. وفي المجمل، تمثل تجربة عبدالعزيز سعيد الصيعري تجربة فوتوغرافية إماراتية ناضجة تجمع بين الشغف والمثابرة والبحث المستمر عن الجمال. وهي تجربة تشهد على أن النجاح في التصوير لا يتحقق بالمعدات وحدها، بل بالرؤية والصبر والقدرة على اكتشاف المشاهد الاستثنائية وتحويلها إلى أعمال تبقى حاضرة في الذاكرة. ومن خلال هذا المسار المتنامي يواصل الصيعري بناء مشروعه الفني بثقة، مستنداً إلى خبرة متراكمة وشغف متجدد وطموح لا يتوقف نحو ترسيخ اسمه بوصفه أحد الأصوات البصرية المميزة في مجال تصوير الطبيعة.

منذٌ 3 أسابيع قراءة المقال
ياسين المرهون

علا مصطفى خلف.. حين تكشف العدسة عالماً لا تراه العين ليست كل العوالم التي تستحق أن تُرى تقع تحت ضوء الشمس؛ فثمة عوالم كاملة تختبئ خلف صفحة الماء، تعيش في صمتٍ عميق، وتتحرك بتفاصيل بالغة الصغر، ولا تمنح أسرارها إلا لمن يملك الشجاعة والصبر والقدرة على الغوص بعيدًا عن المألوف. هناك، حيث يتراجع الضوء وتصبح كل حركة محسوبة، اختارت علا مصطفى خلف أن تبحث عن صورتها. أن تكون مصورًا تحت الماء يعني أن تدخل إلى بيئة لا تشبه الاستوديو ولا الشارع ولا الطبيعة المفتوحة؛ بيئة لها قوانينها الخاصة، وتفرض على المصور أن يوازن بين مهارات الغوص ودقة التصوير في اللحظة ذاتها. أما أن تتخصص في تصوير الكائنات البحرية الصغيرة، فذلك يضيف طبقة أخرى من الصعوبة؛ لأنك لا تطارد مشهدًا واضحًا أمامك، بل تبحث عن كائن قد لا يتجاوز حجمه بضعة مليمترات، يتحرك في عالم متغير، وقد لا يمنحك أكثر من لحظات معدودة لالتقاط حضوره. وفي هذا العالم تحديدًا، بنت الفنانة والمصورة الفوتوغرافية علا مصطفى خلف جانبًا استثنائيًا من تجربتها؛ فهي ألمانية من أصول مصرية، وتقيم في دبي، وتحمل معها أكثر من عشرين عامًا من العلاقة المتنامية مع التصوير، انتقلت خلالها من شغف شخصي إلى مسار مهني وفني وتعليمي، قبل أن يقودها الغوص إلى اكتشاف مساحة جديدة للصورة، أكثر تحديًا وعمقًا ودهشة. بدأت علا رحلتها مع التصوير بوصفه شغفًا شخصيًا، ثم تحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من حياتها المهنية، فعملت لسنوات في تعليم التصوير والتدريب، وقدمت الدورات والمحاضرات وورش العمل، وأسهمت في تدريب آلاف المهتمين بهذا الفن. ومنذ عام 2012، تعمل مع جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي HIPA في مجالات التدريب والتطوير واستشراف المستقبل، كما شاركت محكّمةً في عدد من مسابقات التصوير. غير أن البحر كان يحمل لها فصلًا مختلفًا تمامًا. مع الغوص، لم تعد علا تنظر إلى الصورة من موقع المشاهد، بل أصبحت تدخل إلى داخل المشهد نفسه. وتحت سطح الماء اكتشفت عالمًا بصريًا لا يظهر لمن يكتفي بالنظر من الخارج؛ عالمًا من الألوان والكائنات الدقيقة والسلوكيات الخفية، حيث يمكن لمخلوق صغير جدًا أن يحمل في تفاصيله مادة بصرية تضاهي أكبر المشاهد وأكثرها اتساعًا. ومن هنا جاء تخصصها في التصوير تحت الماء، ولا سيما تصوير الماكرو للكائنات البحرية الصغيرة. بدأت تبحث عن عاريات الخياشيم، والروبيان الصغير، وأحصنة البحر وغيرها من الكائنات التي قد تمر أمام الغواص دون أن يلاحظ وجودها. وفي كل غوصة، يصبح الاكتشاف جزءًا من المهمة؛ فما يبدو للعين المجردة قاعًا هادئًا قد يكون، بالنسبة لعدستها، عالمًا كاملًا نابضًا بالحياة. البحر بالنسبة لعلا ليس خلفية للصورة، بل هو موضوعها وملهمها وشريكها في صناعة اللحظة. فالمكان نفسه لا يعني الصورة نفسها؛ إذ يمكن أن تعود إلى الموقع ذاته مرات عديدة، وفي كل مرة تجد قصة مختلفة. ولهذا لا تبحث علا عن الجمال البصري المجرد، بقدر ما تبحث عن اللحظة التي تكشف شيئًا كان مختبئًا، أو تمنح المشاهد فرصة لرؤية كائن ربما عاش قريبًا منه طوال الوقت دون أن يعرف بوجوده. وهنا تكتسب تجربتها تحت الماء قيمة تتجاوز الجانب الجمالي للصورة؛ فهي لا تكتفي بتوثيق الحياة البحرية، وإنما تحاول أن تجعل العدسة وسيلة للتعريف بهذا العالم، وإعادة تقديمه للجمهور من زاوية أكثر قربًا ودهشة. ويأتي اهتمامها بالحياة البحرية في الإمارات، ولا سيما مياه الفجيرة وخورفكان، امتدادًا طبيعيًا لهذا التوجه، ورغبة في منح الكائنات الصغيرة حضورًا بصريًا يوازي أهميتها في النظام البحري. لكن الوصول إلى هذه الصور ليس مهمة سهلة. فالمصور تحت الماء لا يحمل كاميرته فقط؛ إنه يحمل معه مسؤولية الغوص، وإدارة الطفو والتنفس، ومراقبة العمق والتيارات، والتعامل مع الضوء المتغير، وفي الوقت نفسه بناء التكوين وضبط التركيز وانتظار اللحظة المناسبة. وفي تصوير الماكرو تحديدًا، تصبح المسافة بين الصورة الناجحة والصورة الضائعة بالغة الصغر؛ حركة بسيطة من الكائن، أو تغير في التيار، أو اهتزاز غير محسوب قد ينهي لحظة كان المصور ينتظرها منذ وقت طويل. وفي الأعماق، لا يكفي أن تكون مصورًا جيدًا؛ عليك أولًا أن تكون قادرًا على البقاء هادئًا في عالم لا يسمح لك بالكثير من الأخطاء. وهذا ما يجعل حضور المرأة في هذا المجال أكثر إثارة للاهتمام؛ فالتصوير تحت الماء، بما يحمله من متطلبات بدنية وتقنية ومخاطر مرتبطة بالعمق والتيارات والظروف البحرية، ليس مجالًا سهلًا أصلًا، فضلًا عن أن التخصص الدقيق في تصوير الكائنات الصغيرة يتطلب صبرًا استثنائيًا وتفرغًا وتركيزًا عاليًا. ومن هنا تبرز تجربة علا بوصفها نموذجًا لامرأة اختارت أن تواجه بيئة صعبة وغير مألوفة، لا لتثبت حضورها فيها فحسب، بل لتبني داخلها لغة بصرية خاصة. ولا تقف علا عند حدود المعدات التقليدية؛ ففي السنوات الأخيرة اتجه اهتمامها نحو تجربة تجمع بين التصوير والتقنية، من خلال تطوير التصوير والفيديو تحت الماء باستخدام الهواتف الذكية. وهي تجربة تحمل تحديًا مختلفًا، إذ تستكشف إلى أي مدى تستطيع التقنيات الحديثة أن تفتح أبوابًا كانت في السابق حكرًا على الكاميرات الاحترافية والمعدات المتخصصة والمكلفة. بالنسبة لها، لا يمثل الهاتف مجرد بديل للمعدات، بل مساحة جديدة للتجربة والاختبار، خصوصًا في ظل التطور المتسارع في تقنيات التصوير المحمولة. وهو توجه ينسجم مع فلسفتها في جعل الصورة أكثر وصولًا، دون أن تفقد قيمتها الفنية أو قدرتها على التعبير. وفي المقابل، تدرك علا أن الوصول إلى الصورة المثالية لا ينبغي أن يكون على حساب العالم الذي تصوره. فالكائن البحري ليس عنصرًا في التكوين يمكن تحريكه أو إجباره على اتخاذ وضعية معينة من أجل لقطة أجمل؛ إنه جزء من بيئة حية لها توازنها وحساسيتها. ولهذا تأتي سلامة الكائن والبيئة البحرية قبل الصورة، وتصبح أخلاقيات التصوير جزءًا أساسيًا من نجاح التجربة. فالصورة الحقيقية لا ينبغي أن تكون جميلة فقط؛ ينبغي أن تكون عادلة أيضًا تجاه ما تصوره. ومن هذه الرؤية، تتحول أعمال علا من مجرد صور لكائنات بحرية إلى محاولة لبناء جسر بين الإنسان وعالم لا يستطيع الوصول إليه بسهولة. صورة صغيرة لكائن صغير يمكن أن تصبح نافذة على نظام بيئي كامل، ويمكن للحظة التقطتها العدسة في قاع البحر أن تخلق لدى المشاهد فضولًا لم يكن موجودًا من قبل. وبين أكثر من عقدين في عالم التصوير، وسنوات طويلة في التعليم والتدريب، وتجربة متنامية في الغوص والتصوير تحت الماء، تواصل علا مصطفى خلف بناء مشروع بصري يحمل أكثر من وجه؛ فنيًا، وتعليميًا، وبيئيًا، وإنسانيًا. وطموحها أن توثق الحياة البحرية في الإمارات، وأن تقدم مشروعًا أو معرضًا متكاملًا عن الكائنات الصغيرة في خورفكان والفجيرة؛ مشروعًا لا يعرض الصور بوصفها أعمالًا جمالية فحسب، وإنما يقدم عالمًا كاملًا من التفاصيل التي قد لا يلتفت إليها أحد. وفي النهاية، ربما تكمن خصوصية تجربة علا في أنها لم تكتفِ بأن تصوّر ما يراه الآخرون، بل اختارت أن تغوص إلى حيث لا يصل نظرهم. هناك، تحت الماء، حيث يصمت العالم فوق السطح، تبدأ عدستها في الكلام.

منذٌ 4 أسابيع قراءة المقال
ياسين المرهون

هشام فاروق رجب.. حين تصبح الصورة مساحة لاكتشاف المجهول لا تبدأ بعض التجارب الفنية من رغبة في الوصول إلى إجابة، بل من فضول يدفع صاحبها إلى طرح المزيد من الأسئلة. ومن هذا الفضول بدأت علاقة هشام فاروق رجب بالصورة عام 2020، حين وجد في الكاميرا أكثر من وسيلة لالتقاط المشهد؛ وجد فيها مساحة للتأمل، والتعبير، ومواجهة ضغوط الحياة اليومية، ثم سرعان ما قادته هذه العلاقة إلى عالم الفوتوغرافيا المعاصرة والتجريب، حيث لا تتوقف الصورة عند حدود ما تراه العين. وُلد هشام في الإسكندرية، ويحمل بكالوريوس الهندسة المدنية، ويعمل مدير مشروعات في إحدى شركات قطاع البترول. وربما منحت هذه الخلفية العملية تجربته جانبًا آخر من التفكير المنظم والدقيق، إلا أن شغفه بالفن فتح أمامه مسارًا مختلفًا، جعله يوازن بين مسؤولياته المهنية ورغبته في بناء تجربة فوتوغرافية تتطور باستمرار. وكان للفنان الدكتور علاء الباشا، مؤسس ومدير نادي عدسة للتصوير الفوتوغرافي، أثر واضح في هذه الرحلة؛ فهو أستاذه الذي تعلم على يديه فنون التصوير الفوتوغرافي وتاريخ الفن والمدارس الفنية. ومن خلال نادي عدسة، حصل هشام على دبلومة التصوير الفوتوغرافي، إلى جانب منحة في تاريخ الفن والمدارس الفنية وتطبيقاتها الفوتوغرافية، لتتسع رؤيته من التعامل مع الكاميرا إلى فهم السياقات الفنية التي تصنع الصورة وتمنحها معناها. ومع تراكم المعرفة، لم يكتفِ بالتعلم النظري، بل شارك في ورش فنية وميدانية متخصصة، وواصل البحث في الاتجاهات الحديثة، واضعًا التجريب في قلب اهتمامه. وقد انعكس ذلك على اهتمامه بالمعالجة الفوتوغرافية وتقنياتها، خصوصًا من خلال استخدام برامج الفوتوشوب وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب اهتمامه بالمعالجة الإبداعية والأساليب الحديثة التي تفتح أمام الصورة احتمالات جديدة. ولم تبقَ المعرفة التي اكتسبها حبيسة تجربته الشخصية؛ فقد انتقل جزء منها إلى مساحة التعليم، فشارك محاضرًا في فنون الفوتوغرافيا المعاصرة والتجريبية، ومدربًا في أساسيات المعالجة والمعالجة الإبداعية وتقنيات المعالجة الحديثة للصورة. كما شارك في تحكيم عدد من المسابقات المحلية والدولية، وحصل على جوائز متعددة، فيما وصلت أعماله إلى جهات وهيئات وأفراد اقتنوا عددًا منها. وبينما تتسع تجربته الفنية، يواجه هشام تحديًا مختلفًا تفرضه طبيعة حياته العملية؛ فالجمع بين إدارة المشروعات والعمل الفني يتطلب وقتًا وجهدًا مستمرين، خصوصًا مع إيمانه بأهمية الاطلاع والتعلم ومواكبة كل جديد. وهو يرى أن من أبرز التحديات في المشهد الفوتوغرافي عدم مواكبة البعض للتطور التكنولوجي المتسارع، والتمسك بالممارسات القديمة دون الانفتاح على التحولات التي يشهدها المجال. ومع ذلك، تبقى القيمة الأهم للصورة بالنسبة إليه في قدرتها على التعبير عن الذات. فالتقنية مهما تطورت تظل أداة، بينما يبقى ما يضعه الفنان من فكرة ورؤية وتجربة هو ما يمنح العمل هويته. ومن هنا يستمر هشام في اختبار إمكانات الصورة، باحثًا عن مساحات جديدة بين الفكرة والمعالجة والتجريب. وفي نهاية هذا المسار، لا ينظر هشام فاروق رجب إلى تجربته بوصفها محطة مكتملة، بل مشروعًا فنيًا يتشكل مع كل معرفة جديدة وكل تجربة مختلفة. ويحمل طموحًا واضحًا بأن تصل أعماله المعاصرة ذات الصبغة المصرية والعربية إلى العالمية، لتقدم رؤية تنطلق من بيئتها وهويتها، لكنها لا تتوقف عند حدودها.

ياسين المرهون

سالم سلطان عامر الحجري.. حين تتحول عدسة التراث إلى ذاكرة تصل إلى العالم في التصوير الفوتوغرافي، هناك من يبحث عن جمال المشهد، وهناك من يبحث خلف المشهد عن الإنسان والذاكرة والهوية. وبين الاثنين تتشكل تجربة المصور الذي لا يكتفي بأن يرى، بل يسعى لأن يجعل ما يراه شاهدًا على زمنٍ ومكانٍ وإنسان. ومن هذا المنظور تتشكل تجربة المصور العُماني سالم سلطان عامر الحجري، القادم من ولاية بدية في سلطنة عُمان، والذي اختار أن يجعل من عدسته وسيلة لحفظ التراث والثقافة والإنسان، وتحويل التفاصيل العابرة إلى ذاكرة بصرية تمتد إلى الأجيال. بدأ سالم الحجري رحلته مع التصوير عام 2014م، ومنذ البدايات لم يكن التصوير بالنسبة إليه مجرد هواية عابرة، بل مساحة لاكتشاف المكان والإنسان وتوثيق التفاصيل التي تمنح الذاكرة معناها. وكان للأستاذ أديب شعبان العاني، رئيس اتحاد المصورين العرب، حضور مؤثر في مسيرته، إذ يراه ملهمًا له في عالم التصوير، ويصفه بأنه «ملك تصوير الصحراء»، وهي صورة تعكس حجم الأثر الذي تركته تجربته في تشكيل نظرته الفوتوغرافية. ينطلق اهتمام الحجري بالتصوير من إيمان عميق بأن الصورة تتجاوز حدود الجمال البصري؛ فهي، في نظره، قصة تحفظ الهوية وتنقل تفاصيلها إلى الأجيال القادمة. ولهذا ارتبط مشروعه الفوتوغرافي بالتراث والثقافة والتراث غير المادي، إلى جانب التصوير الوثائقي والبورتريه، مع تركيز واضح على الإنسان والهوية العُمانية والعربية. وفي أعماله يصبح الإنسان جزءًا من المكان، ويصبح المكان حاملًا لملامح الإنسان وذاكرته، بينما تتحول الصورة إلى وثيقة بصرية تحفظ ما قد يتغير أو يختفي مع مرور الزمن. ولعل ما يميز هذا التوجه أن التراث بالنسبة إليه ليس مجرد مظهر أو زي أو بناء قديم، بل منظومة متكاملة من العادات والتقاليد والوجوه والحرف والقصص والتفاصيل اليومية التي تصنع هوية المجتمع. ومن هنا تأتي قيمة الصورة الوثائقية حين تتجاوز تسجيل اللحظة إلى فهم سياقها، وتمنح المشاهد فرصة لرؤية الثقافة من الداخل، لا بوصفها مادة للعرض فحسب، وإنما بوصفها جزءًا حيًا من الذاكرة الإنسانية. وخلال فترة زمنية وجيزة، استطاع سالم الحجري أن يحقق حضورًا لافتًا على المستويات المحلية والعربية والعالمية، وأن يضع تجربته ضمن منصات ومسابقات فوتوغرافية بارزة. ومن أبرز محطاته حصوله على لقب مصور العام في جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم للتصوير الفوتوغرافي «هيبا»، إلى جانب مشاركاته وإنجازاته في مسابقة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لجمال الخيل العربي، وجائزة الشيخ سعود آل ثاني للتصوير في دولة قطر، فضلًا عن حصوله على الميدالية الذهبية عالميًا في مجال التصوير بالأبيض والأسود في ألمانيا. ولا تأتي هذه الإنجازات بمعزل عن طبيعة مشروعه البصري؛ فالتعامل مع التراث والإنسان يحتاج إلى عين قادرة على ملاحظة التفاصيل، وصبر يسمح بانتظار اللحظة المناسبة، ووعي يجعل المصور مدركًا أن الصورة قد تكون في بعض الأحيان وثيقة لا تتكرر. ولذلك فإن نجاح الصورة التراثية لا يقاس بجمال تكوينها فقط، بل بقدرتها على حمل شيء من روح المكان، وأن تجعل المتلقي يشعر بأنه أمام لحظة حقيقية لها جذور وقصة وامتداد. وفي زمن تتغير فيه الصورة بسرعة غير مسبوقة، يرى الحجري أن المشهد الفوتوغرافي المعاصر يواجه عددًا من التحديات. يأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمتها، مع ازدياد صعوبة التمييز أحيانًا بين الصورة الحقيقية والصورة المولدة أو المعدلة بشكل كبير. كما يرى أن المبالغة في المعالجة الرقمية، سواء عبر الألوان أو الحدة أو تقنيات HDR، قد تفقد الصورة جزءًا من واقعيتها وقيمتها التوثيقية، خصوصًا عندما يكون الهدف الأساسي من الصورة هو حفظ الحقيقة البصرية للمشهد. كما أن وفرة المحتوى أصبحت تحديًا بحد ذاتها؛ فالصورة اليوم تنافس ملايين الصور الأخرى على انتباه المشاهد، وهو ما قد يدفع البعض إلى البحث عن الانتشار السريع بدل بناء قيمة بصرية مستدامة. ومع صعود مقاييس المشاهدة والإعجاب، قد يصبح الرقم أحيانًا أكثر حضورًا من جودة الصورة ورسالتها. ويرى الحجري كذلك أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تكرار بعض الأفكار والأساليب والمشاهد الناجحة، بينما تراجع الاهتمام أحيانًا بالجانب التوثيقي والسياق التاريخي والثقافي للصورة. ومن القضايا التي يوليها أهمية أيضًا مسألة الخصوصية، خصوصًا في تصوير الحياة اليومية والمناسبات، إضافة إلى التغير الذي أحدثته تقنيات التعديل المتقدمة في مفهوم الصورة بوصفها وثيقة أصلية. وبين ضغط الخوارزميات وارتفاع تكاليف المعدات والسفر والتحديث المستمر للأدوات، يجد المصور نفسه أمام ضرورة الحفاظ على هويته الفنية، دون أن يسمح للمتغيرات التقنية والسوقية بأن تحدد وحدها اتجاه مشروعه. ومع ذلك، ينظر سالم الحجري إلى التصوير من زاوية أكثر اتساعًا؛ فهو بالنسبة إليه وسيلة للتعبير وحفظ الهوية وصناعة الأثر. يمنحه التصوير فرصة لتوثيق التراث العُماني وحفظه للأجيال، وتحويل اللحظات والمشاهد إلى قصص بصرية قادرة على التأثير، كما فتح له أبوابًا للتعرف على ثقافات وشعوب مختلفة وبناء علاقات محلية ودولية. وفي الوقت ذاته، أسهمت هذه الرحلة في تطوير مهارات الإبداع والملاحظة والصبر، ووسعت فرص المشاركة في المعارض والمسابقات والوصول إلى الساحة العالمية. وتتجاوز الصورة في تجربته حدود العمل الفردي لتصبح وسيلة للتعريف بعُمان وتراثها، ونافذة يمكن من خلالها للآخرين أن يكتشفوا جمال المكان وثقافته وإنسانه. كما يرى في التصوير فرصة للتعليم ونقل الخبرات من خلال ورش التصوير والتدريب، بما يسمح بأن تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر، تمامًا كما تنتقل الذاكرة التي يسعى إلى توثيقها في صوره. لكن طريق المصور لا يخلو من التحديات. فقد واجه الحجري تحديات تقنية تمثلت في فهم الكاميرات والعدسات وأدوات التصوير، وتحديات مادية مرتبطة بتكاليف شراء المعدات وتطويرها، إلى جانب تحديات نفسية قد تظهر أحيانًا في صورة فقدان الشغف، فضلًا عن تحديات التسويق والعملاء ومتطلبات العمل الاحترافي. وهي تحديات لا تبدو منفصلة عن رحلة أي فنان يسعى إلى تحويل شغفه إلى مشروع مستمر، بل تشكل جزءًا من عملية بناء التجربة وصقل الشخصية الفنية. وفي نهاية هذه الرحلة، يبدو أن طموح سالم سلطان عامر الحجري لا يتوقف عند حدود الإنجاز أو الفوز أو الوصول إلى منصة عالمية، بل يتجه إلى معنى أبقى: أن يترك بصمة بصرية عُمانية تصل إلى العالم، وأن تتحول كل صورة يلتقطها إلى شعور لا يُنسى. فحين تصبح العدسة وسيلة لحفظ الإنسان والمكان، لا تعود الصورة مجرد لحظة متجمدة في إطار، وإنما تصبح جزءًا من ذاكرة أوسع؛ ذاكرة تحمل ملامح عُمان، وتروي شيئًا من حكاية الإنسان العربي، وتمنح المستقبل فرصة لأن يرى الماضي بعينٍ لم تكن موجودة إلا لأن مصورًا اختار أن يتوقف، وينظر، ويوثق. وهنا تحديدًا تكمن قيمة تجربة سالم الحجري؛ في إيمانه بأن التراث حين يجد عينًا تعرف كيف تراه، يمكن أن يتحول من ذاكرة محلية إلى رسالة بصرية قادرة على عبور الحدود، وأن الصورة حين تحمل الصدق والهوية والإنسان، تستطيع أن تتحدث بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.

ياسين المرهون

سماح نضال الخُفَّاش.. حين يتحول الضوء إلى لغة وتصبح الأماكن ذاكرة لاتنسى ثمة صور تلتقط المكان، وصور أخرى تتجاوز المكان لتلتقط إحساسنا به. وبين الاثنين مسافة لا تصنعها الكاميرا، وإنما تصنعها عين الفنان؛ تلك العين التي لا ترى الأشياء كما تبدو، بل كما يمكن أن تكون حين يمر عليها الضوء، وحين يتغير الطقس، وحين تتبدل علاقتها بالزمن. في التجربة الفوتوغرافية للمصورة سماح نضال الخُفَّاش، تبدو الصورة أقرب إلى فعل تأمل طويل في المكان منها إلى مجرد تسجيل بصري له. فهي لا تتعامل مع الصحراء والمدن والمساجد والمباني التاريخية والأثرية باعتبارها موضوعات منفصلة، وإنما تراها فضاءات تحمل ذاكرة وهوية وتفاصيل تتكشف تدريجيًا لمن يمنحها الوقت الكافي للنظر. أردنية وفلسطينية، وتحمل الإقامة الذهبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، بدأت سماح رحلتها مع التصوير عام 2017، في تجربة سرعان ما تحولت من ممارسة بصرية إلى لغة شخصية، ومن محاولة لرؤية العالم إلى محاولة لفهمه. كانت الإمارات مسرحًا لأول تجارب سماح مع الضوء، وهناك بدأت تتشكل إحدى أهم ركائز رؤيتها الفوتوغرافية: أن الجمال لا يبدأ بالضرورة من المكان، وإنما من الطريقة التي نراه بها. فالعدسة، في تصورها، ليست مجرد أداة بصرية تنقل الواقع إلى إطار، بل مرآة لروح المصور قبل أن تكون مرآة للمكان. وهذه الفكرة تضع الفنان في قلب العملية الفوتوغرافية؛ فالمشهد الخارجي مهما بلغت جماليته لا ينتج بالضرورة صورة عظيمة. ما يصنع الفارق هو العين التي تختار، واللحظة التي تنتظر، والزاوية التي تقرر، والضوء الذي تعرف كيف تقرأ حضوره. ومن هنا يمكن فهم اهتمام سماح بالصحراء والمدن والمساجد والمباني التاريخية والأثرية؛ فهي موضوعات تبدو للوهلة الأولى مختلفة، لكنها تلتقي في عنصر جوهري واحد: المكان بوصفه حاملًا للذاكرة. فالصحراء تحمل أثر الزمن، والمدينة تختزن حركة الإنسان، والمسجد يحمل حضورًا روحيًا وعمرانيًا، والمبنى التاريخي يحفظ في جدرانه شيئًا من الحكاية التي مرّت من هنا. والمصور الذي يتعامل مع المكان بهذه الحساسية لا يكتفي بتصويره، بل يحاول الإصغاء إليه. حين بدأت سماح رحلتها الفوتوغرافية عام 2017، لم تكن تبحث فقط عن هواية جديدة، بل كانت تفتح لنفسها بابًا لرؤية العالم بطريقة مختلفة. تصف تجربتها وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة التي تستطيع فيها أن ترى العالم بعين أخرى؛ عين لا تكتفي بالنظر، وإنما تتأمل وتصغي وتدوّن. وهنا تكمن خصوصية التجربة الفوتوغرافية الحقيقية؛ فالكاميرا لا تمنح الفنان عينًا جديدة بقدر ما تدفعه إلى اكتشاف العين التي كانت موجودة داخله أصلًا. فالمصور، مع الوقت، يصبح أكثر حساسية للتفاصيل، ويبدأ بملاحظة ما كان يمر أمامه دون اهتمام، ويصبح الضوء حدثًا بحد ذاته، والظل عنصرًا في الحكاية، والتغيرات الجوية فرصة لإعادة اكتشاف المشهد ذاته. وفي أعمال سماح، لا يبدو الضوء عنصرًا تقنيًا يمكن التحكم به فقط، بل شريكًا في صناعة الصورة. فتغير اتجاه الضوء وحركته، واختلاف الحالة الجوية، وتحول السماء من حالة إلى أخرى، كلها عناصر تمنح المكان شخصيات متعددة. المبنى ذاته يمكن أن يبدو مختلفًا تمامًا عند الفجر عنه في منتصف النهار، والصحراء التي تبدو ساكنة تحت ضوء قاسٍ قد تتحول إلى فضاء شاعري حين تمتد الظلال فوق كثبانها، والمدينة التي تبدو مألوفة في ساعاتها العادية قد تكشف وجهًا آخر حين تتغير علاقتها بالسماء. ولهذا فإن انتظار اللحظة في التصوير ليس انتظارًا سلبيًا، إنه جزء من صناعة الصورة. فالمصور لا ينتظر الضوء فحسب، بل ينتظر الحوار الذي سيحدث بين الضوء والمكان. وتؤمن سماح بأن عالم الصورة هو العالم الذي وجدت فيه لغتها الخاصة؛ لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لأن الصورة قادرة على أن تحكي حكايات لا تكتبها الكلمات. وهذه واحدة من الخصائص الأكثر قوة في الفوتوغرافيا؛ قدرتها على عبور الحدود دون أن تحتاج إلى قاموس. قد لا يعرف المتلقي المكان الذي التُقطت فيه الصورة، ولا تاريخ المبنى، ولا تفاصيل الثقافة التي ينتمي إليها، لكنه يستطيع أن يشعر بالعزلة، والسكينة، والعظمة، والحنين، والدهشة. الصورة الناجحة لا تشرح الشعور بالضرورة؛ إنها تستحضره. ولم يكن اهتمام سماح بالتصوير منفصلًا عن علاقتها بالحياة اليومية، بل جاء، كما تصفه، كردة فعل على صخبها. ففي عالم سريع الإيقاع، تتوالى فيه الأحداث والصور والمعلومات بصورة متواصلة، يصبح التوقف فعلًا نادرًا. والتصوير يمنح الفنان هذا التوقف؛ أن يقف أمام مشهد، وأن ينتظر، وأن يراقب تغير الضوء، وأن يمنح اللحظة وقتها. ولهذا ترى سماح التصوير وسيلة لفهم الحياة من منظور آخر؛ زاوية تجعل العادي استثنائيًا، والعابر خالدًا. إنها لا تبحث فقط عن الأشياء التي تستحق التصوير، وإنما تحاول أن تجعلنا نعيد النظر في الأشياء التي اعتدنا رؤيتها حتى فقدنا قدرتنا على الدهشة تجاهها. وخلال مسيرتها، شاركت سماح في العديد من المعارض المحلية والدولية، وحققت جوائز في مسابقات من بينها إكسبوجر، ومسابقة مدينة الفسيفساء، ومسابقة الشارقة للتراث، إلى جانب مشاركتها في تحكيم عدد من المسابقات الفوتوغرافية. غير أن القيمة الأهم لهذه المحطات، في رؤيتها، لا تكمن في كونها أرقامًا أو ألقابًا تضاف إلى السيرة، وإنما في كونها تجارب متراكمة أسهمت في بناء معرفتها. فهي تنظر إلى كل خطوة باعتبارها تجربة، ثم تكتشف لاحقًا أنها كانت حجر أساس في بناء معرفتها بهذا الطريق. وترى سماح أن أحد التحديات التي تواجه التصوير المعاصر يتمثل في تحوله أحيانًا إلى ساحة للاستهلاك البصري السريع، حيث تتنافس الصور على سرعة الالتقاط أكثر مما تتنافس على عمق المعنى. وفي زمن أصبحت فيه الصورة حاضرة في كل مكان، يصبح الابتكار الحقيقي أكثر صعوبة؛ لأن الصورة التي تريد أن تُفهم وتُحس تحتاج إلى متلقٍ مستعد للتوقف، بينما زمن السرعة لا يمنح الأشياء دائمًا هذا الترف. لكن الفن، بطبيعته، لا يقاس دائمًا بسرعة الوصول. بعض الصور تحتاج إلى لحظة، وبعضها يحتاج إلى تأمل، وبعضها لا يكشف معناه إلا بعد أن يغادر المتلقي الصورة ثم يعود إليها من جديد. وفي التصوير تجد سماح مساحة من الحرية لا توفرها كثير من أشكال التعبير الأخرى. فالعدسة تمنحها إمكانية أن تقول ما تريد دون أن تكون مقيدة باللغة أو القواعد التقليدية للسرد، وفي الوقت ذاته تجعلها شاهدة على لحظات لا تتكرر. لحظة ضوء، حركة سحاب، انعكاس، مشهد إنساني، أو حالة جوية قد لا تعود بالشكل ذاته مرة أخرى. ولهذا تحمل عملية التصوير شيئًا من متعة الاكتشاف، وسعادة أسر اللحظة قبل أن تنقضي. الصورة هنا ليست امتلاكًا للحظة بقدر ما هي اعتراف بقيمتها. وربما يكون أكثر ما يلفت في طموح سماح أن مشروعها المستقبلي لا يتوقف عند إنتاج صور جميلة أو تحقيق حضور شخصي، بل يتجه نحو صناعة مشروع بصري قادر على التعبير عن هوية وطن أو قضية إنسانية. وهذا الطموح ينقل تجربتها من مستوى الصورة المفردة إلى مستوى المشروع؛ فالصورة الواحدة قد تثير سؤالًا، أما المشروع المتكامل فيستطيع أن يبني خطابًا. وقد يكون المشروع البصري وسيلة لتعريف الآخر بمكان لم يره، أو بثقافة لم يعرف تفاصيلها، أو بقضية لم يقترب منها، أو بإنسان لم يكن يعرف حكايته. وفي النهاية، لا تختصر سماح طموحها في عدد المعارض أو الجوائز أو المشاركات، وإنما في رغبة أكثر عمقًا: أن تترك بصمة في ذاكرة كل من يرى صورها، وأن تشعر بأنها جزء من قصة أكبر، مع الحفاظ على وفائها لرؤيتها وشغفها. وهذا ربما هو الاختبار الأصعب لأي فنان؛ أن ينجح في أن يكون حاضرًا دون أن يفقد صوته، وأن يتطور دون أن يتخلى عن جوهر رؤيته، وأن يستفيد من أدوات العصر دون أن يسمح لها بأن تحدد ما يريد قوله. فالفن لا يحتاج فقط إلى عين ترى، بل إلى روح تعرف لماذا ترى. وفي تجربة سماح نضال الخُفَّاش، تبدو الكاميرا وسيلة للإنصات بقدر ما هي وسيلة للرؤية؛ إنصات إلى المكان، وإلى الضوء، وإلى تغيرات السماء، وإلى اللحظة العابرة، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها حين نتوقف أمامها بما يكفي. ومن هنا تتضح فلسفة رحلتها: أن الصورة ليست مشهدًا يُلتقط فقط، بل شعور يُترجم. وربما كان أجمل ما يمكن أن تصل إليه الصورة أن تنجح في أن تجعل شخصًا، في مكان بعيد، يتوقف أمامها للحظة، وينظر إلى العالم بعين مختلفة؛ عين الفنان، وعين سماح.

منذٌ 2 أشهر قراءة المقال
ياسين المرهون

صالح أحمد باحليس.. حين تمنح الطبيعة الفنان عينًا أخرى لرؤية العالم في الفن الفوتوغرافي، لا تبدأ الحكاية دائمًا من الكاميرا. أحيانًا تبدأ من عينٍ صغيرة تتأمل مشهدًا عابرًا، ومن دهشةٍ مبكرة أمام جمال لا يعرف صاحبها كيف يصفه، لكنه يعرف أنه يستحق أن يُحفظ. وبين الدهشة الأولى والصورة الأولى، تتشكل علاقة طويلة بين الإنسان وما يراه، علاقة لا تُقاس بعدد الصور التي التُقطت، بل بمدى قدرة الفنان على أن يرى ما قد يمر أمام الآخرين دون أن يلتفتوا إليه. ومن هذا الباب يمكن قراءة تجربة الفنان الفوتوغرافي صالح أحمد باحليس؛ فقصته مع الصورة لم تبدأ عندما حمل الهاتف أو امتلك أدوات التصوير، وإنما بدأت قبل ذلك بسنوات، حين كانت الطبيعة تشد انتباهه، وتستوقفه تفاصيل المشهد، وتدفعه إلى البحث عن صور المناظر الطبيعية ومشاهدتها طويلًا، دون أن يدرك أن هذا الفضول البصري المبكر سيصبح يومًا جزءًا أساسيًا من هويته الفنية. البدايات.. قبل أن تصبح الصورة شغفًا يعود اهتمام صالح بالطبيعة إلى مرحلة مبكرة جدًا من عمره. ففي حدود العاشرة من عمره أو قبلها، كان يلجأ إلى الإنترنت بحثًا عن صور المناظر الطبيعية، ويقضي وقتًا طويلًا في تأملها، وخصوصًا المشاهد الخلابة للمدرجات الزراعية في شرق آسيا. قد يبدو هذا السلوك، للوهلة الأولى، مجرد فضول طفولي تجاه الصور الجميلة، إلا أن التأمل المتكرر في المشهد هو أحد المداخل الأساسية لتكوين الحس البصري لدى الفنان. فالطفل الذي يتوقف أمام تفاصيل الضوء، وانحناءات الأرض، وتدرجات اللون، واتساع المشهد، يتعلم بطريقة غير مباشرة أن للجمال لغة خاصة، وأن بعض اللحظات لا تُفهم بالكلمات بقدر ما تُدرك بالنظر. وهنا تكمن أهمية البدايات في تجربة صالح؛ فقد كانت عينه تسبق الكاميرا. وبعد نحو عقد من الزمن، جاءت الخطوة العملية الأولى، حين امتلك هاتفًا وبدأ يلتقط صورًا لما يحيط به؛ البحر، والأشجار، والأصدقاء، وكل ما كان يراه جميلًا أو جديرًا بأن يُحفظ داخل إطار. لم تكن المسألة في بدايتها مشروعًا فنيًا مكتمل الملامح، لكنها كانت امتدادًا طبيعيًا لذلك الفضول القديم؛ فضول الإنسان الذي يريد أن يحتفظ بما رأته عيناه. من الصورة إلى صناعة الصورة قبل أن يتبلور اهتمام صالح بالتصوير بوصفه ممارسة فنية، كان هناك شغف آخر يقوده: الفوتوشوب. كان تعديل الصور بالنسبة إليه عالمًا قائمًا بذاته، ومساحة لاختبار الإمكانات البصرية وإعادة تشكيل الصورة. وفي تلك المرحلة، كان يتعلم بجهده الشخصي، في وقت لم تكن فيه المصادر التعليمية العملية والمتخصصة متاحة بالوفرة التي نراها اليوم. لكن خلف هذا الشغف التقني كانت هناك رغبة إنسانية بسيطة، وربما طريفة، في الوصول إلى صورة يرى أنها أجمل وأكثر ملاءمة لما يتخيله. ومن خلال هذه المرحلة، بدأ صالح يكتشف أن الصورة لا تنتهي لحظة الضغط على زر الالتقاط؛ فهناك ما يحدث قبل التصوير، وما يحدث بعده، وهناك عين تختار، وعقل يقرر، وذائقة تتشكل، وأداة يمكنها أن تمنح الفكرة شكلها النهائي. وهذه النقلة مهمة في تكوين أي تجربة فوتوغرافية؛ لأن المصور في بدايته قد يكتفي بتسجيل ما يراه، ثم يبدأ تدريجيًا في التساؤل: لماذا التقطت هذه الصورة؟ لماذا اخترت هذا المكان؟ لماذا هذا الضوء؟ وما الذي أريد أن يشعر به الآخر عندما يرى ما رأيته؟ عند هذه النقطة تحديدًا، تبدأ الصورة بالانتقال من كونها تسجيلًا بصريًا إلى كونها خطابًا فنيًا. اللحظة التي غيّرت معنى الصورة في مسيرة صالح، جاءت لحظة كان لها أثر واضح في إعادة تعريف علاقته بالتصوير؛ إحدى الصور التي التقطها حصدت إعجاب الملايين، وانتشرت عبر قنوات وصحف إخبارية. لم تعد الصورة حينها مجرد ملف محفوظ في هاتف أو حاسوب، ولم تعد تجربة شخصية بين المصور ومشهد اختاره. فجأة أصبحت الصورة قادرة على السفر وحدها، والوصول إلى جمهور واسع، وخلق تفاعل يتجاوز حدود المكان الذي ولدت فيه. وهنا أدرك صالح أن التصوير يمكن أن يكون أكثر من ممارسة شخصية؛ يمكن للصورة أن تصل إلى الإنسان، أن تستوقفه، أن تحرك فيه إحساسًا، وأن تترك أثرًا لا يتناسب بالضرورة مع حجم المكان الذي التُقطت فيه. وهذه إحدى الخصائص الجوهرية للفوتوغرافيا؛ قدرتها على اختصار المسافة بين التجربة والمتلقي. فالمصور قد يقف وحيدًا أمام مشهد في لحظة محددة، لكن الصورة تمنح ذلك المشهد حياة ثانية، وتسمح له بأن يعيش في أماكن وأزمنة أخرى، وأن يصل إلى أشخاص لم يكونوا حاضرين عند لحظة الالتقاط. ومن هنا بدأت رحلة صالح تأخذ شكلًا أكثر جدية. الطبيعة.. المصدر الأول للدهشة حين يُسأل صالح عن مصدر إلهامه، تأتي الإجابة من المكان الذي بدأت منه الحكاية أصلًا: الطبيعة التي أبدعها الله. هذه الإجابة ليست مجرد وصف لموضوع تصويري مفضل، بل يمكن قراءتها باعتبارها موقفًا جماليًا من العالم. فالمصور الذي ينظر إلى الطبيعة بوصفها مصدرًا للإلهام لا يبحث فقط عن منظر جميل، وإنما يبحث عن اللحظة التي يصبح فيها المشهد قادرًا على إثارة الدهشة. الغروب، ألوان السماء، تفاصيل الأشجار، امتداد البحر، اختلاف الضوء، وتكوينات الأرض؛ كلها بالنسبة للمصور ليست خلفيات صامتة، بل عناصر تتغير باستمرار، وتمنح العين في كل مرة احتمالًا جديدًا للرؤية. ولهذا قد يتوقف المصور أمام مشهد يمر عليه الآخرون دون انتباه. إنها تلك العين التي تتدرب على رؤية ما وراء الاعتياد. فالمشهد نفسه قد يكون عاديًا في عين، واستثنائيًا في عين أخرى. والفرق لا يكون دائمًا في المكان، بل في القدرة على ملاحظة العلاقات بين الضوء والظل، واللون والشكل، والمساحة والفراغ، واللحظة والزمن. ومن هنا تأتي إحدى أجمل الهبات التي يمنحها التصوير للفنان: أن يعيد تعريف الأشياء اليومية من حوله. بين المنظر والإنسان والمدينة رغم ارتباط تجربة صالح المبكر بالطبيعة، فإن اهتمامه الفوتوغرافي لم يتوقف عند المناظر الطبيعية. فقد امتدت تجربته إلى البورتريه والهندسة المعمارية، وهي مجالات تكشف عن اتساع اهتمامه باللغة البصرية. في تصوير الطبيعة، يتعامل الفنان مع فضاء واسع غالبًا ما تكون عناصره خارج سيطرته الكاملة؛ الضوء يتغير، والغيوم تتحرك، والطقس يفرض حضوره، والمشهد نفسه يتبدل مع مرور الوقت. أما البورتريه، فيضع المصور أمام عالم مختلف تمامًا: الإنسان. وهنا تصبح الصورة أكثر ارتباطًا بالتعبير والحضور والانفعال. فالبورتريه الجيد لا يتوقف عند ملامح الوجه، بل يحاول الوصول إلى شيء أعمق؛ إلى الحالة، والحضور، والشخصية، واللحظة التي تجعل الإنسان أمام العدسة أكثر من مجرد موضوع داخل إطار. وفي تصوير العمارة، ينتقل الفنان إلى لغة أخرى تقوم على الخطوط والأشكال والنسب والكتل والفراغات. المبنى يصبح تكوينًا بصريًا، والمدينة تتحول إلى شبكة من العلاقات الهندسية والضوئية. هذا التنوع في المجالات يمنح تجربة صالح مساحة أوسع للتجريب، ويجعل التصوير بالنسبة إليه ليس موضوعًا واحدًا، بل لغة يمكن أن تتغير مفرداتها بحسب الموضوع. الصورة بين الحقيقة والذكاء الاصطناعي في زمن أصبحت فيه الصورة الرقمية قابلة للتوليد والتعديل وإعادة البناء بدرجات غير مسبوقة، يجد المصور المعاصر نفسه أمام سؤال جديد: ما قيمة الصورة الفوتوغرافية عندما يصبح بالإمكان إنتاج مشهد كامل دون أن يكون قد حدث أصلًا؟ يرى صالح أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه الفنان الفوتوغرافي اليوم، خصوصًا مع قدرتها المتزايدة على إنتاج مشاهد شديدة الإقناع، الأمر الذي جعل المتلقي أكثر حذرًا تجاه ما يراه، وأكثر تساؤلًا حول حقيقة الصورة ومصدرها. وهذا التحول لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل يمس جوهر العلاقة بين الصورة والمتلقي. فالفوتوغرافيا، في أحد أبعادها، تقوم على الثقة؛ ثقة المشاهد بأن ما يراه كان موجودًا في لحظة ما أمام عدسة ما. ومع اتساع مساحة الصور الاصطناعية، أصبحت هذه الثقة أكثر تعقيدًا. لكن صالح لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه نهاية للفن الفوتوغرافي، وإنما يضع المسألة في إطار أوسع: المشكلة ليست في وجود الأداة، بل في كيفية استخدامها. وهنا يعود الفنان إلى مركز العملية الإبداعية. فالأداة تستطيع أن تساعد، وأن تختصر، وأن توسع الاحتمالات، لكنها لا تملك التجربة الإنسانية التي يعيشها المصور، ولا الذكريات التي يحملها، ولا المشاعر التي تدفعه إلى الوقوف في مكان معين وانتظار لحظة معينة، ولا ذلك الإحساس الغامض الذي يجعله يضغط زر الالتقاط في جزء من الثانية. الصورة التي تصنعها العين والتجربة ليست مجرد مجموعة من البكسلات. إنها أثر إنساني. الركود الفني.. الوجه الآخر للإبداع كل تجربة فنية حقيقية تمر بمراحل من الصعود والهبوط، ومن الاكتشاف والتكرار، ومن الحماس والفتور. ويرى صالح أن الركود الفني واحد من أبرز التحديات التي يمكن أن يواجهها الفنان. فالاستمرار في إنتاج الأعمال قد يقود الفنان أحيانًا إلى الشعور بأنه يكرر نفسه، وأن الصور الجديدة لا تحمل الدهشة ذاتها التي كانت تحملها أعماله السابقة. وقد يصبح الخوف من الملل سببًا للتوقف عن ممارسة الفن نفسه. لكن في هذه النقطة تحديدًا تظهر أهمية الاستمرارية. فالركود ليس بالضرورة إعلانًا عن نهاية الإبداع، بل قد يكون مرحلة يحتاج فيها الفنان إلى إعادة النظر في علاقته بأدواته وموضوعاته ونظرته إلى العالم. الفن لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم. هناك فترات يكثر فيها الإنتاج، وأخرى يقل فيها، وهناك لحظات تبدو فيها الأفكار واضحة، وأخرى يشعر فيها الفنان أنه يبحث عن نفسه من جديد. والتحدي الحقيقي ربما لا يكمن في تجنب هذه المراحل، وإنما في القدرة على عبورها دون التخلي عن الطريق. الإنجاز حين يتحول إلى مسؤولية شهدت مسيرة صالح عددًا من المحطات التي أسهمت في تعزيز حضوره الفوتوغرافي، من بينها حصوله على المركز الأول لأفضل صورة إنسانية عام 2015 في مسابقة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو إنجاز يرتبط بمجال يضع الإنسان وتجربته في مركز الصورة. كما حصل على المركز الأول في مسابقة الفجيرة للتصوير الضوئي، الدورة السادسة، ضمن محور التراث الحضاري. ولم تتوقف مشاركاته عند نطاق جغرافي محدد، فقد حضر بأعماله في معارض محلية ودولية متنوعة في اليمن والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والأردن، في امتداد يعكس حضور الصورة كوسيلة للتواصل بين الثقافات والمساحات المختلفة. كما حصل على الإقامة الذهبية في دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن فئة المبدعين، ويشغل كذلك دور المتحدث الرسمي لشركة سوني. لكن القيمة الحقيقية لأي إنجاز فني لا تكمن فقط في إضافته إلى السيرة الذاتية، وإنما في قدرته على دفع الفنان إلى مرحلة جديدة من المسؤولية تجاه تجربته. كل إنجاز يرفع سقف التوقعات، وكل حضور يفتح بابًا لحضور آخر، وكل صورة ناجحة تجعل السؤال التالي أكثر صعوبة. من يرى العالم بعين المصور ربما تكون إحدى أكثر العبارات تعبيرًا عن فلسفة صالح في التصوير هي اعتقاده بأن ممارسة هذا الفن تمنح الإنسان عينًا جديدة يرى بها العالم. وهذه الفكرة تختصر جانبًا مهمًا من التجربة الفوتوغرافية. فالمصور لا يكتفي بالنظر؛ إنه يتعلم أن ينتبه. والانتباه في حد ذاته فعل إبداعي. أن تلاحظ لونًا لم يكن يلفت انتباهك سابقًا، أن ترى انعكاس الضوء على سطح، أن تلتفت إلى تكوين عابر، أن تنتظر لحظة معينة من الغروب، أو أن ترى في شارع مألوف مشهدًا جديدًا؛ كل ذلك يعني أن التصوير بدأ يتجاوز حدود الكاميرا ليصبح طريقة في إدراك الحياة. ولهذا فإن الفوتوغرافيا لا تمنح المصور صورًا فقط، بل تمنحه علاقة مختلفة مع الزمن. الصورة تقول: لقد كانت هناك لحظة، وقد رأيتها. الطموح.. أن يصبح الفنان جزءًا من حكاية من بعده في النهاية، لا يبدو أن الطموح الأكبر لصالح أحمد باحليس يتمثل في إضافة إنجاز جديد إلى قائمة إنجازاته، بقدر ما يتمثل في أن يترك أثرًا فيمن سيأتي بعده. لقد كان في رحلته أشخاص ألهموه، وأسهموا في دفعه إلى الاستمرار رغم صعوبة الطريق، ولذلك يتمنى أن يؤدي يومًا الدور ذاته مع جيل آخر. وهنا تتحول التجربة الفردية إلى معنى أوسع. فالفنان الذي يكتفي بإنتاج أعماله يترك صورًا، أما الفنان الذي يلهم الآخرين فيترك امتدادًا. ومن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الفنان أن تتحول تجربته من رحلة شخصية إلى طريق يستفيد منه آخرون؛ أن يرى مصورًا شابًا صورةً أو فكرةً أو موقفًا في تجربته، فيقرر أن يستمر، أو يتعلم، أو يجرب، أو ينظر إلى العالم بطريقة مختلفة. وربما لهذا السبب يبدو الطموح الأخير في تجربة صالح أكثر إنسانية من كونه فنيًا بحتًا. إنه لا يريد فقط أن يلتقط صورًا جميلة. يريد أن يترك عينًا أخرى بعده. عينًا تنظر إلى الطبيعة بدهشة، وإلى الإنسان بصدق، وإلى الصورة باعتبارها ذاكرة وشعورًا وتجربة. وهكذا تستمر الحكاية؛ من طفل كان يبحث عن المناظر الطبيعية على شاشة صغيرة، إلى فنان يحمل الكاميرا ويبحث عن لحظة تستحق أن تُرى، ثم إلى مصور يتطلع لأن يمنح من يأتي بعده شيئًا من ذلك الشغف الذي بدأ معه قبل أن يعرف حتى أن اسمه سيكون يومًا مرتبطا بالتصوير الفوتوغرافي.

منذٌ 2 أشهر قراءة المقال

كل المنتجات 29