سالم سلطان عامر الحجري.. حين تتحول عدسة التراث إلى ذاكرة تصل إلى العالم
في التصوير الفوتوغرافي، هناك من يبحث عن جمال المشهد، وهناك من يبحث خلف المشهد عن الإنسان والذاكرة والهوية. وبين الاثنين تتشكل تجربة المصور الذي لا يكتفي بأن يرى، بل يسعى لأن يجعل ما يراه شاهدًا على زمنٍ ومكانٍ وإنسان. ومن هذا المنظور تتشكل تجربة المصور العُماني سالم سلطان عامر الحجري، القادم من ولاية بدية في سلطنة عُمان، والذي اختار أن يجعل من عدسته وسيلة لحفظ التراث والثقافة والإنسان، وتحويل التفاصيل العابرة إلى ذاكرة بصرية تمتد إلى الأجيال.
بدأ سالم الحجري رحلته مع التصوير عام 2014م، ومنذ البدايات لم يكن التصوير بالنسبة إليه مجرد هواية عابرة، بل مساحة لاكتشاف المكان والإنسان وتوثيق التفاصيل التي تمنح الذاكرة معناها. وكان للأستاذ أديب شعبان العاني، رئيس اتحاد المصورين العرب، حضور مؤثر في مسيرته، إذ يراه ملهمًا له في عالم التصوير، ويصفه بأنه «ملك تصوير الصحراء»، وهي صورة تعكس حجم الأثر الذي تركته تجربته في تشكيل نظرته الفوتوغرافية.
ينطلق اهتمام الحجري بالتصوير من إيمان عميق بأن الصورة تتجاوز حدود الجمال البصري؛ فهي، في نظره، قصة تحفظ الهوية وتنقل تفاصيلها إلى الأجيال القادمة. ولهذا ارتبط مشروعه الفوتوغرافي بالتراث والثقافة والتراث غير المادي، إلى جانب التصوير الوثائقي والبورتريه، مع تركيز واضح على الإنسان والهوية العُمانية والعربية. وفي أعماله يصبح الإنسان جزءًا من المكان، ويصبح المكان حاملًا لملامح الإنسان وذاكرته، بينما تتحول الصورة إلى وثيقة بصرية تحفظ ما قد يتغير أو يختفي مع مرور الزمن.
ولعل ما يميز هذا التوجه أن التراث بالنسبة إليه ليس مجرد مظهر أو زي أو بناء قديم، بل منظومة متكاملة من العادات والتقاليد والوجوه والحرف والقصص والتفاصيل اليومية التي تصنع هوية المجتمع. ومن هنا تأتي قيمة الصورة الوثائقية حين تتجاوز تسجيل اللحظة إلى فهم سياقها، وتمنح المشاهد فرصة لرؤية الثقافة من الداخل، لا بوصفها مادة للعرض فحسب، وإنما بوصفها جزءًا حيًا من الذاكرة الإنسانية.
وخلال فترة زمنية وجيزة، استطاع سالم الحجري أن يحقق حضورًا لافتًا على المستويات المحلية والعربية والعالمية، وأن يضع تجربته ضمن منصات ومسابقات فوتوغرافية بارزة. ومن أبرز محطاته حصوله على لقب مصور العام في جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم للتصوير الفوتوغرافي «هيبا»، إلى جانب مشاركاته وإنجازاته في مسابقة الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لجمال الخيل العربي، وجائزة الشيخ سعود آل ثاني للتصوير في دولة قطر، فضلًا عن حصوله على الميدالية الذهبية عالميًا في مجال التصوير بالأبيض والأسود في ألمانيا.
ولا تأتي هذه الإنجازات بمعزل عن طبيعة مشروعه البصري؛ فالتعامل مع التراث والإنسان يحتاج إلى عين قادرة على ملاحظة التفاصيل، وصبر يسمح بانتظار اللحظة المناسبة، ووعي يجعل المصور مدركًا أن الصورة قد تكون في بعض الأحيان وثيقة لا تتكرر. ولذلك فإن نجاح الصورة التراثية لا يقاس بجمال تكوينها فقط، بل بقدرتها على حمل شيء من روح المكان، وأن تجعل المتلقي يشعر بأنه أمام لحظة حقيقية لها جذور وقصة وامتداد.
وفي زمن تتغير فيه الصورة بسرعة غير مسبوقة، يرى الحجري أن المشهد الفوتوغرافي المعاصر يواجه عددًا من التحديات. يأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمتها، مع ازدياد صعوبة التمييز أحيانًا بين الصورة الحقيقية والصورة المولدة أو المعدلة بشكل كبير. كما يرى أن المبالغة في المعالجة الرقمية، سواء عبر الألوان أو الحدة أو تقنيات HDR، قد تفقد الصورة جزءًا من واقعيتها وقيمتها التوثيقية، خصوصًا عندما يكون الهدف الأساسي من الصورة هو حفظ الحقيقة البصرية للمشهد.
كما أن وفرة المحتوى أصبحت تحديًا بحد ذاتها؛ فالصورة اليوم تنافس ملايين الصور الأخرى على انتباه المشاهد، وهو ما قد يدفع البعض إلى البحث عن الانتشار السريع بدل بناء قيمة بصرية مستدامة. ومع صعود مقاييس المشاهدة والإعجاب، قد يصبح الرقم أحيانًا أكثر حضورًا من جودة الصورة ورسالتها. ويرى الحجري كذلك أن انتشار وسائل التواصل الاجتماعي ساهم في تكرار بعض الأفكار والأساليب والمشاهد الناجحة، بينما تراجع الاهتمام أحيانًا بالجانب التوثيقي والسياق التاريخي والثقافي للصورة.
ومن القضايا التي يوليها أهمية أيضًا مسألة الخصوصية، خصوصًا في تصوير الحياة اليومية والمناسبات، إضافة إلى التغير الذي أحدثته تقنيات التعديل المتقدمة في مفهوم الصورة بوصفها وثيقة أصلية. وبين ضغط الخوارزميات وارتفاع تكاليف المعدات والسفر والتحديث المستمر للأدوات، يجد المصور نفسه أمام ضرورة الحفاظ على هويته الفنية، دون أن يسمح للمتغيرات التقنية والسوقية بأن تحدد وحدها اتجاه مشروعه.
ومع ذلك، ينظر سالم الحجري إلى التصوير من زاوية أكثر اتساعًا؛ فهو بالنسبة إليه وسيلة للتعبير وحفظ الهوية وصناعة الأثر. يمنحه التصوير فرصة لتوثيق التراث العُماني وحفظه للأجيال، وتحويل اللحظات والمشاهد إلى قصص بصرية قادرة على التأثير، كما فتح له أبوابًا للتعرف على ثقافات وشعوب مختلفة وبناء علاقات محلية ودولية. وفي الوقت ذاته، أسهمت هذه الرحلة في تطوير مهارات الإبداع والملاحظة والصبر، ووسعت فرص المشاركة في المعارض والمسابقات والوصول إلى الساحة العالمية.
وتتجاوز الصورة في تجربته حدود العمل الفردي لتصبح وسيلة للتعريف بعُمان وتراثها، ونافذة يمكن من خلالها للآخرين أن يكتشفوا جمال المكان وثقافته وإنسانه. كما يرى في التصوير فرصة للتعليم ونقل الخبرات من خلال ورش التصوير والتدريب، بما يسمح بأن تنتقل المعرفة من جيل إلى آخر، تمامًا كما تنتقل الذاكرة التي يسعى إلى توثيقها في صوره.
لكن طريق المصور لا يخلو من التحديات. فقد واجه الحجري تحديات تقنية تمثلت في فهم الكاميرات والعدسات وأدوات التصوير، وتحديات مادية مرتبطة بتكاليف شراء المعدات وتطويرها، إلى جانب تحديات نفسية قد تظهر أحيانًا في صورة فقدان الشغف، فضلًا عن تحديات التسويق والعملاء ومتطلبات العمل الاحترافي. وهي تحديات لا تبدو منفصلة عن رحلة أي فنان يسعى إلى تحويل شغفه إلى مشروع مستمر، بل تشكل جزءًا من عملية بناء التجربة وصقل الشخصية الفنية.
وفي نهاية هذه الرحلة، يبدو أن طموح سالم سلطان عامر الحجري لا يتوقف عند حدود الإنجاز أو الفوز أو الوصول إلى منصة عالمية، بل يتجه إلى معنى أبقى: أن يترك بصمة بصرية عُمانية تصل إلى العالم، وأن تتحول كل صورة يلتقطها إلى شعور لا يُنسى. فحين تصبح العدسة وسيلة لحفظ الإنسان والمكان، لا تعود الصورة مجرد لحظة متجمدة في إطار، وإنما تصبح جزءًا من ذاكرة أوسع؛ ذاكرة تحمل ملامح عُمان، وتروي شيئًا من حكاية الإنسان العربي، وتمنح المستقبل فرصة لأن يرى الماضي بعينٍ لم تكن موجودة إلا لأن مصورًا اختار أن يتوقف، وينظر، ويوثق.
وهنا تحديدًا تكمن قيمة تجربة سالم الحجري؛ في إيمانه بأن التراث حين يجد عينًا تعرف كيف تراه، يمكن أن يتحول من ذاكرة محلية إلى رسالة بصرية قادرة على عبور الحدود، وأن الصورة حين تحمل الصدق والهوية والإنسان، تستطيع أن تتحدث بلغة لا تحتاج إلى ترجمة.
التعليقات (0)
سجل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق على هذا المقال
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!