ياسين المرهون
ياسين المرهون
القطيف • منذٌ 2 ساعات

علا مصطفى خلف.. حين تكشف العدسة عالماً لا تراه العين

علا مصطفى خلف.. حين تكشف العدسة عالماً لا تراه العين
علا مصطفى خلف.. حين تكشف العدسة عالماً لا تراه العين

ليست كل العوالم التي تستحق أن تُرى تقع تحت ضوء الشمس؛ فثمة عوالم كاملة تختبئ خلف صفحة الماء، تعيش في صمتٍ عميق، وتتحرك بتفاصيل بالغة الصغر، ولا تمنح أسرارها إلا لمن يملك الشجاعة والصبر والقدرة على الغوص بعيدًا عن المألوف. هناك، حيث يتراجع الضوء وتصبح كل حركة محسوبة، اختارت علا مصطفى خلف أن تبحث عن صورتها.

أن تكون مصورًا تحت الماء يعني أن تدخل إلى بيئة لا تشبه الاستوديو ولا الشارع ولا الطبيعة المفتوحة؛ بيئة لها قوانينها الخاصة، وتفرض على المصور أن يوازن بين مهارات الغوص ودقة التصوير في اللحظة ذاتها. أما أن تتخصص في تصوير الكائنات البحرية الصغيرة، فذلك يضيف طبقة أخرى من الصعوبة؛ لأنك لا تطارد مشهدًا واضحًا أمامك، بل تبحث عن كائن قد لا يتجاوز حجمه بضعة مليمترات، يتحرك في عالم متغير، وقد لا يمنحك أكثر من لحظات معدودة لالتقاط حضوره.

وفي هذا العالم تحديدًا، بنت الفنانة والمصورة الفوتوغرافية علا مصطفى خلف جانبًا استثنائيًا من تجربتها؛ فهي ألمانية من أصول مصرية، وتقيم في دبي، وتحمل معها أكثر من عشرين عامًا من العلاقة المتنامية مع التصوير، انتقلت خلالها من شغف شخصي إلى مسار مهني وفني وتعليمي، قبل أن يقودها الغوص إلى اكتشاف مساحة جديدة للصورة، أكثر تحديًا وعمقًا ودهشة.

بدأت علا رحلتها مع التصوير بوصفه شغفًا شخصيًا، ثم تحول تدريجيًا إلى جزء أساسي من حياتها المهنية، فعملت لسنوات في تعليم التصوير والتدريب، وقدمت الدورات والمحاضرات وورش العمل، وأسهمت في تدريب آلاف المهتمين بهذا الفن. ومنذ عام 2012، تعمل مع جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي HIPA في مجالات التدريب والتطوير واستشراف المستقبل، كما شاركت محكّمةً في عدد من مسابقات التصوير.

غير أن البحر كان يحمل لها فصلًا مختلفًا تمامًا.

مع الغوص، لم تعد علا تنظر إلى الصورة من موقع المشاهد، بل أصبحت تدخل إلى داخل المشهد نفسه. وتحت سطح الماء اكتشفت عالمًا بصريًا لا يظهر لمن يكتفي بالنظر من الخارج؛ عالمًا من الألوان والكائنات الدقيقة والسلوكيات الخفية، حيث يمكن لمخلوق صغير جدًا أن يحمل في تفاصيله مادة بصرية تضاهي أكبر المشاهد وأكثرها اتساعًا.

ومن هنا جاء تخصصها في التصوير تحت الماء، ولا سيما تصوير الماكرو للكائنات البحرية الصغيرة. بدأت تبحث عن عاريات الخياشيم، والروبيان الصغير، وأحصنة البحر وغيرها من الكائنات التي قد تمر أمام الغواص دون أن يلاحظ وجودها. وفي كل غوصة، يصبح الاكتشاف جزءًا من المهمة؛ فما يبدو للعين المجردة قاعًا هادئًا قد يكون، بالنسبة لعدستها، عالمًا كاملًا نابضًا بالحياة.

البحر بالنسبة لعلا ليس خلفية للصورة، بل هو موضوعها وملهمها وشريكها في صناعة اللحظة.

فالمكان نفسه لا يعني الصورة نفسها؛ إذ يمكن أن تعود إلى الموقع ذاته مرات عديدة، وفي كل مرة تجد قصة مختلفة. ولهذا لا تبحث علا عن الجمال البصري المجرد، بقدر ما تبحث عن اللحظة التي تكشف شيئًا كان مختبئًا، أو تمنح المشاهد فرصة لرؤية كائن ربما عاش قريبًا منه طوال الوقت دون أن يعرف بوجوده.

وهنا تكتسب تجربتها تحت الماء قيمة تتجاوز الجانب الجمالي للصورة؛ فهي لا تكتفي بتوثيق الحياة البحرية، وإنما تحاول أن تجعل العدسة وسيلة للتعريف بهذا العالم، وإعادة تقديمه للجمهور من زاوية أكثر قربًا ودهشة. ويأتي اهتمامها بالحياة البحرية في الإمارات، ولا سيما مياه الفجيرة وخورفكان، امتدادًا طبيعيًا لهذا التوجه، ورغبة في منح الكائنات الصغيرة حضورًا بصريًا يوازي أهميتها في النظام البحري.

لكن الوصول إلى هذه الصور ليس مهمة سهلة.

فالمصور تحت الماء لا يحمل كاميرته فقط؛ إنه يحمل معه مسؤولية الغوص، وإدارة الطفو والتنفس، ومراقبة العمق والتيارات، والتعامل مع الضوء المتغير، وفي الوقت نفسه بناء التكوين وضبط التركيز وانتظار اللحظة المناسبة. وفي تصوير الماكرو تحديدًا، تصبح المسافة بين الصورة الناجحة والصورة الضائعة بالغة الصغر؛ حركة بسيطة من الكائن، أو تغير في التيار، أو اهتزاز غير محسوب قد ينهي لحظة كان المصور ينتظرها منذ وقت طويل.

وفي الأعماق، لا يكفي أن تكون مصورًا جيدًا؛ عليك أولًا أن تكون قادرًا على البقاء هادئًا في عالم لا يسمح لك بالكثير من الأخطاء.

وهذا ما يجعل حضور المرأة في هذا المجال أكثر إثارة للاهتمام؛ فالتصوير تحت الماء، بما يحمله من متطلبات بدنية وتقنية ومخاطر مرتبطة بالعمق والتيارات والظروف البحرية، ليس مجالًا سهلًا أصلًا، فضلًا عن أن التخصص الدقيق في تصوير الكائنات الصغيرة يتطلب صبرًا استثنائيًا وتفرغًا وتركيزًا عاليًا. ومن هنا تبرز تجربة علا بوصفها نموذجًا لامرأة اختارت أن تواجه بيئة صعبة وغير مألوفة، لا لتثبت حضورها فيها فحسب، بل لتبني داخلها لغة بصرية خاصة.

ولا تقف علا عند حدود المعدات التقليدية؛ ففي السنوات الأخيرة اتجه اهتمامها نحو تجربة تجمع بين التصوير والتقنية، من خلال تطوير التصوير والفيديو تحت الماء باستخدام الهواتف الذكية. وهي تجربة تحمل تحديًا مختلفًا، إذ تستكشف إلى أي مدى تستطيع التقنيات الحديثة أن تفتح أبوابًا كانت في السابق حكرًا على الكاميرات الاحترافية والمعدات المتخصصة والمكلفة.

بالنسبة لها، لا يمثل الهاتف مجرد بديل للمعدات، بل مساحة جديدة للتجربة والاختبار، خصوصًا في ظل التطور المتسارع في تقنيات التصوير المحمولة. وهو توجه ينسجم مع فلسفتها في جعل الصورة أكثر وصولًا، دون أن تفقد قيمتها الفنية أو قدرتها على التعبير.

وفي المقابل، تدرك علا أن الوصول إلى الصورة المثالية لا ينبغي أن يكون على حساب العالم الذي تصوره.

فالكائن البحري ليس عنصرًا في التكوين يمكن تحريكه أو إجباره على اتخاذ وضعية معينة من أجل لقطة أجمل؛ إنه جزء من بيئة حية لها توازنها وحساسيتها. ولهذا تأتي سلامة الكائن والبيئة البحرية قبل الصورة، وتصبح أخلاقيات التصوير جزءًا أساسيًا من نجاح التجربة.

فالصورة الحقيقية لا ينبغي أن تكون جميلة فقط؛ ينبغي أن تكون عادلة أيضًا تجاه ما تصوره.

ومن هذه الرؤية، تتحول أعمال علا من مجرد صور لكائنات بحرية إلى محاولة لبناء جسر بين الإنسان وعالم لا يستطيع الوصول إليه بسهولة. صورة صغيرة لكائن صغير يمكن أن تصبح نافذة على نظام بيئي كامل، ويمكن للحظة التقطتها العدسة في قاع البحر أن تخلق لدى المشاهد فضولًا لم يكن موجودًا من قبل.

وبين أكثر من عقدين في عالم التصوير، وسنوات طويلة في التعليم والتدريب، وتجربة متنامية في الغوص والتصوير تحت الماء، تواصل علا مصطفى خلف بناء مشروع بصري يحمل أكثر من وجه؛ فنيًا، وتعليميًا، وبيئيًا، وإنسانيًا.

وطموحها أن توثق الحياة البحرية في الإمارات، وأن تقدم مشروعًا أو معرضًا متكاملًا عن الكائنات الصغيرة في خورفكان والفجيرة؛ مشروعًا لا يعرض الصور بوصفها أعمالًا جمالية فحسب، وإنما يقدم عالمًا كاملًا من التفاصيل التي قد لا يلتفت إليها أحد.

وفي النهاية، ربما تكمن خصوصية تجربة علا في أنها لم تكتفِ بأن تصوّر ما يراه الآخرون، بل اختارت أن تغوص إلى حيث لا يصل نظرهم.

هناك، تحت الماء، حيث يصمت العالم فوق السطح، تبدأ عدستها في الكلام.
صور المقال:
0 تعليق
مشاركة المقال:
التعليقات (0)

سجل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق على هذا المقال

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!