ياسين المرهون
ياسين المرهون
القطيف • منذٌ 4 ساعات

ملامح الهوية البصرية في تجربة المصور عبدالعزيز سعيد الصيعري

ملامح الهوية البصرية في تجربة المصور عبدالعزيز سعيد الصيعري
ملامح الهوية البصرية في تجربة المصور عبدالعزيز سعيد الصيعري


يمثل المصور الإماراتي عبدالعزيز سعيد الصيعري نموذجاً للمصور الذي تشكلت تجربته عبر سنوات من الممارسة الميدانية والتطوير المستمر، حيث استطاع منذ انطلاقته في عام 2011 أن يؤسس لنفسه مساراً فوتوغرافياً متنوعاً ارتكز على الشغف الحقيقي بالصورة والبحث الدائم عن التميز البصري. ومن مدينة العين، المدينة التي تزخر بتنوعها الطبيعي وعمقها الثقافي، بدأت رحلته مع الكاميرا لتتحول مع مرور الوقت من مجرد هواية إلى مشروع إبداعي يحمل رؤية فنية واضحة وهوية تتشكل باستمرار من خلال التجربة والخبرة والتأمل.

شهدت بدايات الصيعري ارتباطاً وثيقاً بالتصوير الرياضي من خلال عمله مع نادي العين، وهي مدرسة فوتوغرافية تتطلب سرعة بديهة عالية وقدرة على التنبؤ باللحظة الحاسمة والتعامل مع المتغيرات السريعة في الميدان. وقد أسهمت تلك المرحلة في صقل مهاراته التقنية وتطوير حسه البصري، حيث تعلم كيفية ملاحقة الحدث وتجميد اللحظات التي تحمل أعلى درجات التأثير البصري والإنساني. كما وفرت له هذه التجربة فهماً عميقاً للعلاقة بين الحركة والتكوين، وبين التوقيت والدلالة البصرية.

ومع اتساع مداركه الفنية، انتقل إلى عالم تصوير الماكرو، وهو أحد أكثر الفروع الفوتوغرافية دقة وتعقيداً. ومن خلال هذا التخصص بدأ باستكشاف العوالم الخفية التي لا تراها العين المجردة بسهولة، واكتشف أن التفاصيل الصغيرة تحمل في طياتها عوالم كاملة من الجمال والتوازن والإبداع الإلهي. لقد شكّل الماكرو مرحلة مفصلية في تطور رؤيته الفوتوغرافية، فمن خلاله تعلّم الصبر والانتباه للتفاصيل الدقيقة وفهم سلوك الضوء والظل وتأثيرهما على المشهد البصري.

غير أن الشغف الأكبر قاده في النهاية إلى عالم الطبيعة، حيث وجد المساحة الأرحب للتعبير عن ذاته الفنية. ففي الطبيعة تتجلى العناصر التي تتوافق مع شخصيته الإبداعية؛ الرحابة، والتأمل، والبحث، والمغامرة، والقدرة على اكتشاف الجمال في أكثر اللحظات عفوية. ولذلك أصبح تصوير الطبيعة المجال الذي استقر فيه، ليس بوصفه تخصصاً فنياً فحسب، بل باعتباره لغة بصرية يعبر من خلالها عن رؤيته الخاصة للعالم.

وتبرز أعمال الصيعري بوصفها محاولة مستمرة لتوثيق المشاهد الطبيعية وإبراز جمالياتها بطريقة تجمع بين التوثيق الفني والإحساس الجمالي. فهو لا ينظر إلى الطبيعة كمجرد موضوع للتصوير، وإنما باعتبارها مصدراً لا ينضب للإلهام والتأمل والتعلم. في أعماله تتجاور عناصر الضوء والسحاب والمطر والنجوم والفضاءات المفتوحة ضمن تكوينات بصرية تسعى إلى نقل المشاهد من موقع المتلقي إلى حالة المعايشة الكاملة للمشهد.

وقد تأثر في بداياته بالمصور والفنان الكويتي ماجد سلطان الزعابي، الذي شكّل في تلك الفترة أحد أهم المصادر التعليمية للمصورين العرب في ظل محدودية المحتوى الفوتوغرافي المتخصص المتاح آنذاك. ولم يكن تأثيره مقتصراً على الجانب التقني فحسب، بل امتد إلى بناء شخصية نقدية قادرة على تقييم العمل الفوتوغرافي والبحث المستمر عن نقاط القوة وفرص التطوير. وهذه النزعة التطويرية انعكست بوضوح على رحلة الصيعري، التي اتسمت بالانتقال المدروس بين التخصصات المختلفة حتى الوصول إلى المجال الذي يمثل هويته الفنية الحالية.

ومن السمات اللافتة في تجربته ارتباط التصوير لديه بالجانب الإنساني والشخصي، فهو يرى أن الصورة وسيلة لحفظ اللحظات ومنحها حياة أطول من عمرها الزمني. ويجد في العودة من رحلات التصوير الطويلة ومراجعة النتائج على شاشة الحاسوب شعوراً استثنائياً من الرضا، حيث تتحول ساعات الجهد والانتظار والترقب إلى مشاهد بصرية تخلد لحظات ربما لم تتكرر ولن تتكرر مرة أخرى.

ولأن تصوير الطبيعة يعتمد بدرجة كبيرة على التعامل مع ظروف غير قابلة للتنبؤ، فقد واجه الصيعري العديد من التحديات الميدانية التي استلزمت منه الصبر والقدرة على التكيف واتخاذ القرار السريع. فمطاردة البروق والعواصف والتقاط مشاهد النجوم تتطلب ساعات طويلة من الانتظار والعمل في أوقات متأخرة من الليل، إلى جانب تحمل الظروف الجوية المتقلبة. وفي واحدة من أبرز المواقف التي واجهها، تعرضت معداته لخطر حقيقي نتيجة دخول مياه الأمطار إلى مركبته أثناء إحدى رحلات التصوير، وهو موقف يعكس حجم التحديات التي قد يواجهها مصور الطبيعة في سبيل الحصول على لقطة استثنائية.

ورغم هذه التحديات، ينظر الصيعري إلى رحلته الفوتوغرافية نظرة إيجابية قائمة على التعلم المستمر واكتساب الخبرات. ويؤمن بأن من أعظم المكاسب التي حققها التصوير هو بناء شبكة من العلاقات والصداقات مع مصورين يشاركونه الشغف ذاته. وقد أسهم هذا التبادل المعرفي والإنساني في توسيع آفاقه وتعزيز خبراته وإثراء تجربته الفنية على المستويين الشخصي والمهني.

وعلى صعيد الإنجازات، تمكن من إثبات حضوره في عدد من المنافسات الفوتوغرافية، حيث حقق المركز الثالث في المسابقة الفوتوغرافية لبطولات سيح السلم، كما حصل على المركز الثالث في مسابقة سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان لتصوير الخيل العربي. وتمثل هذه النتائج مؤشرات مهمة على جودة أعماله وقدرته على المنافسة ضمن فعاليات تضم نخبة من المصورين، كما تعكس مستوى الالتزام الفني الذي يقدمه في أعماله.

إن المتأمل في تجربة عبدالعزيز الصيعري يلاحظ أن رحلته لم تكن رحلة بحث عن الجوائز أو الألقاب بقدر ما كانت رحلة بحث عن هوية بصرية خاصة. فهو يؤمن بأن القيمة الحقيقية للمصور لا تكمن في عدد الصور التي يلتقطها، وإنما في قدرته على إنتاج أعمال تحمل بصمته الخاصة وتميزه عن الآخرين. ولذلك يتمثل طموحه الأكبر في أن تصل أعماله إلى مرحلة يتعرف فيها الجمهور على صوره مباشرة دون الحاجة إلى قراءة اسمه أو الاطلاع على بياناتها التعريفية.

وهذا الطموح يعكس فهماً عميقاً لمعنى النضج الفني، فالوصول إلى هوية بصرية مستقلة يعد أحد أعلى مستويات التميز في الفنون البصرية. إنها مرحلة يصبح فيها العمل الفني مرآة لصاحبه، وتتحول الصورة من مجرد مشهد موثق إلى توقيع بصري يحمل شخصية المصور وفلسفته ورؤيته الخاصة.

وفي المجمل، تمثل تجربة عبدالعزيز سعيد الصيعري تجربة فوتوغرافية إماراتية ناضجة تجمع بين الشغف والمثابرة والبحث المستمر عن الجمال. وهي تجربة تشهد على أن النجاح في التصوير لا يتحقق بالمعدات وحدها، بل بالرؤية والصبر والقدرة على اكتشاف المشاهد الاستثنائية وتحويلها إلى أعمال تبقى حاضرة في الذاكرة. ومن خلال هذا المسار المتنامي يواصل الصيعري بناء مشروعه الفني بثقة، مستنداً إلى خبرة متراكمة وشغف متجدد وطموح لا يتوقف نحو ترسيخ اسمه بوصفه أحد الأصوات البصرية المميزة في مجال تصوير الطبيعة.
صور المقال:
0 تعليق
مشاركة المقال:
التعليقات (0)

سجل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق على هذا المقال

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!