بهاء الدين القزويني.. حين تصقل الخبرةُ الرؤيةَ ويظل الشغف في المقدمة
منذ عام 1984، يمضي المصور الكويتي بهاء الدين القزويني في رحلة فوتوغرافية صاغتها سنوات من الممارسة، وعمّقها الشغف، وصقلتها الرغبة الدائمة في المعرفة والتطور. لم يكن التصوير بالنسبة إليه مجرد مهارة تقنية أو وسيلة لتوثيق المشاهد، بل مساحة لاختبار الرؤية، وميدانًا يتطلب حضور الذهن، وسرعة القرار، والقدرة على استباق اللحظة قبل أن تتوارى. ومن هنا تشكّلت ملامح تجربته، التي تجمع بين الاحتراف العملي والتحصيل الأكاديمي والطموح المستمر إلى بلوغ آفاق أوسع في عالم الصورة.
وتتجلى خصوصية القزويني في اهتمامه بالتصوير الرياضي وتصوير الطيور ومختلف المشاهد التي تنبض بالحركة؛ وهي مجالات لا تمنح المصور رفاهية التردد، بل تضعه أمام تحدٍّ دائم لالتقاط لحظة قد لا تتكرر. ففي هذا النوع من التصوير، لا تكفي سرعة الاستجابة وحدها، وإنما تتكامل مع دقة الملاحظة، واستيعاب حركة الموضوع، وتوقّع ما سيحدث في اللحظة التالية. لذلك يؤمن بأن الصورة المتميزة تبدأ من الخيال قبل أن تصل إلى العدسة، وأن امتلاك الأدوات لا يصنع فنانًا ما لم تسنده رؤية قادرة على تحويل المشهد العابر إلى عمل يستحق التأمل.
وقد تُوّجت سنوات من السعي عام 1997، حين حصل على تصنيف دولي من المعهد البريطاني للمصورين المحترفين وجمعية المصورين الأساتذة في بريطانيا، بعد اجتياز الاختبارات المهنية هناك، وهو إنجاز يذكره بوصفه محطة بارزة في مسيرته، ويقول إنه كان أول عربي ينال هذا التصنيف. ولم يتوقف طموحه عند حدود الاعتراف المهني؛ إذ واصل رحلته المعرفية حتى حصل على درجة البكالوريوس بمرتبة الشرف في الدراسات الإعلامية من الجامعة الأمريكية في الكويت، في تجربة تعكس إيمانه بأن الخبرة العملية تزداد عمقًا حين تلتقي بالعلم والدراسة. كما امتدت مشاركاته إلى المحافل العالمية، وصولًا إلى كأس العالم لكرة القدم في جنوب أفريقيا عام 2010، إلى جانب إنجازات أخرى محلية ودولية.
وفي تشكيل رؤيته، يستلهم القزويني من تجارب المصورين المبدعين والمتميزين، ويأتي أنسل آدامز في مقدمة الأسماء التي يقدّر أثرها الفني. غير أن الإلهام، في نظره، ليس استنساخًا لتجارب الآخرين، بل نافذة لتوسيع المدارك وبناء هوية بصرية خاصة. فكل رحلة إلى مكان جديد، وكل لقاء مع تجربة مختلفة، وكل محاولة لتعلّم تقنية غير مألوفة، يمكن أن تفتح أمام المصور احتمالًا إبداعيًا لم يكن حاضرًا من قبل. ومن هذا المنطلق، لا يرى أن تراكم السنوات سبب للتوقف عن التعلم، بل دافعًا لمواصلة الاكتشاف وإعادة النظر في الأدوات والأساليب والأفكار.
ومع هذه المسيرة، لا يغفل القزويني التحديات التي لا تزال تحيط بالتصوير الفوتوغرافي في مجتمعاتنا؛ إذ يرى أن الفن لم يحظَ دائمًا بالتقدير الذي يستحقه، وأن اختزال التصوير في مجرد الضغط على زر يتجاهل ما وراء الصورة من معرفة وخبرة وقرارات فنية دقيقة. كما يلفت إلى محدودية الدعم، وضعف ثقافة اقتناء الأعمال الفوتوغرافية، واستسهال طلب الصور مجانًا، إلى جانب بعض الممارسات التي تضع المصالح الشخصية فوق قيمة العمل الجماعي. ويؤكد أن الارتقاء بالمشهد الفوتوغرافي يحتاج إلى تقدير الخبرات، واحترام التخصص، وإتاحة الفرص لأصحاب الكفاءة، وبناء علاقات مهنية تقوم على التعاون الحقيقي وتبادل المعرفة.
ولا تنفصل هذه الرؤية النقدية عن طموحه للمستقبل؛ فالقزويني يتطلع إلى توسيع نطاق التدريب الفوتوغرافي في الخليج والعالم العربي، والعمل مع أصحاب الخبرة لنشر ثقافة بصرية أكثر نضجًا بين الأجيال الجديدة. وهو طموح يتجاوز تقديم المهارات التقنية إلى بناء فهم أعمق للصورة بوصفها لغة فنية تحتاج إلى الخيال والمعرفة والممارسة الواعية. فالمصور، كما يراه، لا يكتمل بما ينجزه لنفسه فحسب، بل بما يتركه من أثر في الآخرين، وبما يسهم به في تطوير البيئة التي ينتمي إليها.
وهكذا، تتجاوز تجربة بهاء الدين القزويني حدود السنوات التي قضاها خلف العدسة؛ لتقدم صورة مصور لا يكتفي بما حققه، ولا يتعامل مع الخبرة بوصفها محطة نهائية، بل يراها مسؤولية متجددة تفرض عليه الاستمرار في التعلم والتجريب ونقل المعرفة. وبين لحظة يقتنصها في ميدان الحركة، وفكرة يصوغها في إطار، وخبرة يسعى إلى مشاركتها مع الآخرين، تتجلى فلسفته في التصوير: أن الإبداع لا تصنعه الموهبة وحدها، بل تنضجه المعرفة، وتصقله الممارسة، وتمنحه قيمته الحقيقية القدرة على إلهام الآخرين وفتح الطريق أمامهم.
التعليقات (1)
سجل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق على هذا المقال
تسجيل الدخوللا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!