ياسين المرهون
ياسين المرهون
القطيف • منذٌ 2 ساعات

د. أحمد محمد حسن.. حين تتحول الصورة إلى ذاكرة إنسانية تعبر الزمن

د. أحمد محمد حسن.. حين تتحول الصورة إلى ذاكرة إنسانية تعبر الزمن
د. أحمد محمد حسن.. حين تتحول الصورة إلى ذاكرة إنسانية تعبر الزمن

ليست الصورة الفوتوغرافية مجرد انعكاس للحظة عابرة، ولا وثيقة بصرية تحفظ هيئة المكان وملامح الإنسان فحسب؛ إنها، في جوهرها الأعمق، محاولة لمقاومة النسيان، وصون الذاكرة الإنسانية من التحولات التي يعيد الزمن من خلالها تشكيل العالم. ومن هذا المنظور تتشكل تجربة الدكتور أحمد محمد حسن، المصور الفوتوغرافي المصري المنحدر من مدينة الإسكندرية، الذي اختار أن يجعل من الكاميرا وسيلة لاكتشاف الإنسان، وقراءة الثقافات، وتوثيق الموروث الحضاري والاجتماعي للشعوب.

في تجربته، لا يحتل الإنسان موقع العنصر العابر داخل المشهد، بل يصبح محور الحكاية وغايتها؛ فالوجوه، والملابس التقليدية، والأسواق القديمة، والحرف المتوارثة، والتفاصيل اليومية البسيطة، جميعها شواهد على حياة كاملة تستحق أن تُروى. ومن هنا اكتسب تصوير السفر وحياة الناس مكانته الخاصة في مسيرته، بوصفه ممارسة تتجاوز تسجيل المشاهد إلى البحث عن روح المكان وخصوصية المجتمع، وما تختزنه الحياة اليومية من معانٍ قد لا يدركها العابرون.

بدأت علاقة أحمد محمد حسن بالتصوير منذ طفولته، حين كانت الكاميرا الفيلمية بوابته الأولى نحو اكتشاف العالم والاحتفاظ بلحظاته. غير أن أكتوبر 2015 مثّل نقطة تحول في هذه العلاقة، إذ انتقل التصوير من دائرة الشغف الشخصي إلى مسار أكثر جدية ووعيًا، تتكامل فيه المعرفة بالتجربة، وتلتقي فيه الرغبة في التطور مع الطموح إلى بناء لغة بصرية تحمل بصمته الخاصة.

لم يكن هذا الانتقال مجرد قرار باقتناء أدوات أفضل أو ممارسة التصوير بوتيرة أكبر، بل بداية رحلة من التعلم والقراءة والسفر والاحتكاك بالتجارب الفوتوغرافية المتنوعة. وقد انعكس هذا الانفتاح على مصادر إلهامه، التي شملت تجارب سكوت كيلبي، وجيمي نيلسون، وستيف ماكوري، وبرايان بيترسون؛ وهي تجارب مختلفة في مقارباتها وأساليبها، لكنها تتيح للمصور المتأمل أن يكتشف تعدد المسارات التي يمكن للصورة أن تسلكها، من دراسة الضوء والتكوين إلى استكشاف الإنسان والثقافة وبناء الحكاية البصرية.

ولعل أبرز ما يميز توجهه الفوتوغرافي هو إيمانه بأن الصورة الجميلة لا تستمد قيمتها من جمالياتها وحدها، وإنما من قدرتها على الاحتفاظ بمعنى يتجاوز لحظة التقاطها. فالمشهد الذي يبدو مألوفًا اليوم قد يصبح غدًا شاهدًا نادرًا على أسلوب حياة تبدل، أو حرفة اندثرت، أو ملامح مجتمع أعادت التحولات العمرانية والثقافية صياغته. ولذلك، فإن توثيق الحياة اليومية في نظره ليس مجرد تسجيل للموجود، بل استثمار في ذاكرة المستقبل.

ويضع هذا التصور المصور أمام مسؤولية تتطلب أكثر من المهارة التقنية؛ إذ تستدعي وعيًا بالثقافات، واحترامًا للخصوصية الإنسانية، وقدرة على بناء علاقة حقيقية مع الأشخاص الذين يقف خلف صورهم. ويشير أحمد محمد حسن إلى أن التعامل المباشر مع الناس كان من أبرز التحديات التي واجهته في بداياته، قبل أن يدرك أن الصورة الإنسانية الصادقة تبدأ بالتواصل والاحترام، لا بتوجيه العدسة وحدها. فحين يشعر الإنسان بأن هويته وثقافته موضع تقدير، تصبح الصورة أقرب إلى التعبير عنه، وأبعد عن اختزاله في مشهد عابر.

ولا تنفصل هذه الرؤية عن اهتمامه بالمجتمعات التي لا تزال تحتفظ بملامحها التراثية وتقاليدها المحلية. ففي عالم تتسارع فيه العولمة وتتقارب فيه ملامح المدن، تتراجع تدريجيًا بعض الخصوصيات الثقافية التي منحت الأماكن تميزها عبر الأجيال. ومن هنا تبرز أهمية البحث عن التفاصيل التي ما زالت تقاوم هذا التشابه، وتوثيقها قبل أن تصبح جزءًا من ماضٍ لا يمكن استعادته إلا من خلال الصور والشهادات.

وعلى امتداد مسيرته، لم يقتصر اهتمام أحمد محمد حسن على تطوير تجربته الفردية، بل امتد إلى بناء جسور للتواصل بين المصورين، وتوسيع فرص حضورهم في المحافل الدولية. ويأتي تأسيسه نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي (PIPC) في مقدمة المحطات التي تعكس هذا التوجه؛ فالنادي، وفق الرؤية التي انطلق منها، يمثل مساحة للتعاون والتبادل المعرفي، ونافذة تتيح للمصورين التواصل مع المؤسسات والأندية والمجتمعات الفوتوغرافية خارج حدودهم المحلية.

وتكشف هذه الخطوة عن جانب آخر في شخصيته، يتمثل في الانتقال من ممارسة التصوير بوصفها تجربة فردية إلى الاهتمام ببناء بيئة فوتوغرافية أوسع. فالمصور الذي يعمل خلف الكاميرا يصوغ رؤيته الخاصة، أما حين يشارك في تأسيس منصة تجمع المصورين، فإنه يفتح المجال لتجارب متعددة، ويمنح المعرفة والخبرة فرصًا جديدة للانتقال بين الأفراد والمؤسسات.

وتتجلى مكانة هذه التجربة أيضًا في رصيده الذي يضم، بحسب ما أورده في سيرته، 162 لقبًا واعترافًا دوليًا من اتحادات ومؤسسات وأندية فوتوغرافية مختلفة. كما شملت مسيرته التعاون مع مؤسسات ووزارات ثقافة في دول من بينها الهند والصين، والمشاركة في أعمال نُشرت ضمن كتب وإصدارات فوتوغرافية وفنية. وإلى جانب ذلك، تولى مهام التنسيق والتمثيل لعدد من الجهات الفوتوغرافية الدولية في مصر وقطر، من بينها مؤسسات مرتبطة بالهند والصين وتركيا وصربيا ورومانيا واليونان.

ولا تقتصر أهمية هذه المحطات على تعدد الأسماء والمؤسسات، بل تكمن في ما تتيحه من فرص للاحتكاك بمدارس مختلفة، وتبادل الخبرات، وتعزيز حضور المصور العربي ضمن فضاء فوتوغرافي عالمي تتعدد فيه الاتجاهات والرؤى. ومع ذلك، يظل أحمد محمد حسن واضحًا في نظرته إلى الإنجاز؛ فالألقاب، على أهميتها، ليست الغاية النهائية، وإنما محطات ضمن مسار أوسع تتحدد قيمته بما يضيفه المصور إلى مجاله، وبما يتركه من معرفة وفرص يستفيد منها الآخرون.

وفي عام 2023، أضاف إلى تجربته إصدار كتابه الفوتوغرافي الأول Eagle Eyes، الذي يتناول عددًا من تقنيات التصوير ومفاهيمه. ويمثل الكتاب امتدادًا لاهتمامه بالتعلم وتبادل المعرفة، إذ لا تكتمل التجربة الفنية بمجرد إنتاج الصور، بل يمكن أن تتسع قيمتها حين تتحول الخبرة المتراكمة إلى مادة معرفية تساعد الآخرين على تطوير أدواتهم وفهم ممارساتهم بصورة أعمق.

ويتواصل هذا الجانب من خلال عمله مدربًا معتمدًا لدى Nikon School Middle East، حيث يلتقي التصوير بمهمة التعليم والتوجيه. فالتدريب، في هذا السياق، ليس نشاطًا منفصلًا عن الممارسة الفوتوغرافية، وإنما امتداد لها؛ إذ يتيح للمصور أن يعيد قراءة خبرته، ويختبر قدرته على نقل المعرفة، ويسهم في إعداد جيل يمتلك أدوات فنية أكثر وعيًا وقدرة على التعبير.

ومن بين القضايا التي يوليها أحمد محمد حسن اهتمامًا خاصًا، ضرورة استمرار المصور في القراءة والتعلم، مهما بلغ من الخبرة أو حقق من الإنجازات. فالتصوير مجال متجدد، تتغير أدواته وتتطور تقنياته وتتبدل مدارسه البصرية، لكن مواكبة هذه التحولات لا تعني التخلي عن الشخصية الفنية أو استنساخ تجارب الآخرين. على العكس، فإن الاطلاع الواعي على تجارب المصورين يمنح الفنان فرصة لفهم اختلاف الرؤى، ثم اختيار طريقه الخاص بعيدًا عن التقليد والتكرار.

ومن هذا المنطلق، تبدو تجربته قائمة على توازن بين ثلاثة مسارات متكاملة: ممارسة فوتوغرافية تبحث عن الإنسان وذاكرته، وعمل مؤسسي يسعى إلى توسيع شبكة التواصل بين المصورين، وجهد معرفي يهدف إلى نقل الخبرة وتعزيز فرص التعلم. وهي مسارات تمنح مسيرته بعدًا يتجاوز حدود الصورة المنفردة، لتتصل بأسئلة أوسع حول دور المصور في المجتمع، ومسؤولية الفن تجاه الذاكرة، وأهمية بناء المؤسسات التي تحتضن المواهب وتمنحها فرص النمو.

أما طموحه للمستقبل، فلا يتوقف عند تطوير اسمه أو إضافة إنجازات جديدة إلى رصيده، بل يتصل بتعزيز حضور المصور العربي على الساحة الدولية. فهو يرى أن العالم العربي يمتلك ثراءً استثنائيًا في التاريخ والثقافات والبيئات والقصص الإنسانية، وأن هذه الثروة تستحق أن تُقدَّم إلى العالم من خلال أعمال فوتوغرافية تمتلك الرؤية والعمق والقدرة على التواصل مع جمهور يتجاوز الحدود الجغرافية.

ومن خلال نادي الفراعنة الدولي للتصوير الفوتوغرافي ومشاركاته المختلفة، يسعى إلى الإسهام في بناء جسور بين المصور العربي والمؤسسات الفوتوغرافية الدولية، وتوسيع مساحة الفرص المتاحة أمام المواهب الشابة. وهي رؤية تتجاوز فكرة الحضور الرمزي إلى الاهتمام بتهيئة الظروف التي تساعد المصور على التعلم والمشاركة وبناء العلاقات واكتساب الخبرة.

في المحصلة، تكشف تجربة الدكتور أحمد محمد حسن عن فهم للتصوير لا يفصل بين القيمة الجمالية والرسالة الإنسانية، ولا يحصر النجاح في حدود الاعترافات والجوائز. فالصورة، في عالمه، ليست نهاية الرحلة، بل بدايتها؛ إنها وسيلة للاقتراب من الإنسان، وشهادة على تحولات المكان، ومحاولة للاحتفاظ بما قد يعجز الزمن عن إبقائه.

ولعل هذه الفكرة تتجسد بوضوح في رسالته إلى المصورين الشباب: ألا يجعلوا الشهرة أو الجوائز هدفهم الأول، بل أن يبحثوا عن المعنى الذي يريدون التعبير عنه من خلال الصورة. فالمصور الذي يمتلك قصة يرويها، ورؤية يسعى إلى تطويرها، واحترامًا للإنسان الذي يصوره، يستطيع أن يمنح أعماله قيمة تتجاوز لحظة التقاطها.

ففي نهاية المطاف، لا تقاس قيمة الصورة بما تراه العين وحده، بل بما توقظه في الذاكرة، وما تكشفه من حكايات، وما تتركه من أثر حين يصبح المشهد ماضيًا، ولا يبقى منه سوى الضوء الذي حفظته العدسة.
صور المقال:
0 تعليق
مشاركة المقال:
التعليقات (0)

سجل دخولك لتتمكن من إضافة تعليق على هذا المقال

تسجيل الدخول

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!